SRK
07-08-2005, 01:14 PM
بقلم: د. عبد الله فرج الله
قيل لأبي الحسين بن سمعون- رحمه الله-: «أيها الشيخ، أنت تدعو الناسَ إلى الزهد في الدنيا والترك لها وتلبس أحسن الثياب وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟! فقال له: كلُّ ما يُصلحك فافعله، إذا صلُح حالُك مع الله بلبس لين الثياب وأكل طيب الطعام فلا يضرك». يا له من فقهٍ رائعٍ!!
كل ما يصلحك فافعله.. جميل هذا الفهم أن تفعل ما ترى فيه صلاحك، ولا يمنعك فعله من أن تدعو إلى عكسه فهذا الشيخ الجليل يدعو إلى الزهد ويذكر به ويحث عليه ويرغب الناس فيه غير أنَّ حاله يدل على غير ذلك؛ لأنَّ صلاحه واستقامته في هذا الذي فعل، فأكد على ضرورة أن تفعل ما فيه صلاحك، فإن كان صلاحُك في أمر وجب اتباعه، فمن الناس من يصلحه الغنى ومنهم من يبطره، ومنهم مَن يصلحه الفقر ومنهم من يفسده، فبعضهم ترق نفسه بالنعيم ويصلح به شأنه، وبعضهم يقسو به قلبه ويفسد أمره.
فالغاية المرجوة هي الصلاح، وليست اللباس الخشن، ولا الطعام الجاف، ولا المسكن المتواضع، ولا المركب الصعب.. فكثير من الناس خشنت ملابسهم، وساءت أخلاقهم، وخشنت طباعهم.. وآخرون لانت ملابسهم وعظمت عبادتهم، وحسنت أخلاقهم.
وهذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة - رضي الله عنه - كان يدعو الله، ويقول:«اللهم هب لي حمدًا، وهب لي مجدًا، ولا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه».
فهو كريم، معطاء، صاحب نخوة، لا يرى نفسه إلا في ميدان البذل والعطاء.. فيزداد به عطاؤه، وتطمئن نفسه، ويسكن روعه، وتتجلى أخلاقه، فمن كان هذا شأنه ركبه الهم، وحالفه الغم، إن قصد ولم يلب، إن طُلب ولم يعط.. إن زير ولم يكرم.. الا فصلاح شأنه في الكثير.
وهذا يحيى بن يزيد النوفلي يكتب إلى الإمام مالك بن أنس- رضي الله عنهما- قائلاً: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على رسوله محمد من الأولين والآخرين، من يحيى بن يزيد إلى مالك بن أنس، أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الدقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطيء، وتجعل على بابك حاجبًا، وقد جلست مجلس العلم، وقد ضُربت إليك المطي، وارتحل إليك الناس، واتخذوك إمامًا، ورضوا بقولك، فاتق الله تعالى يا مالك، وعليك بالتواضع، كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا ما أطلع عليه غير الله، سبحانه وتعالى، والسلام».
فكتب إليه مالك: »بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام الله عليك، أما بعد:
فقد وصل إليَّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة، والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك بالنصيحة خيرًا، وأسأل الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق، وألبس الدقاق، واحتجب وأجلس على الوطيء، فنحن نفعل ذلك، ونستغفر الله تعالى، فقد قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (الأعراف: من الآية 32).
وإني لأعلم أن ترك ذلك خيرًا من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام».
إجابة الإمام مالك الرائعة، تحمل في طياتها إشارة استنكارية على الذين يحرمون زينة الله، التي أخرج لعباده من الطيبات، وكأنه يقول له: الشأن كله في الصلاح، وليس في اللباس أو الطعام، أو نوع المركب، أو حجم المسكن.
فلا يليق بنا أن نحكم على مَن لان ملبسه، أو طاب مطعمه، أو عظم مسكنه بعدم الصلاح والتقوى؛ فليس هذا ميزان التقوى أبدًا.
بعض مَن ساء فهمه، وفسد ذوقه، يخرج من دائرة الصلاح كثيرًا من الدعاة إلى الله؛ بسبب سياراتهم الفارهة، أو مساكنهم الشاهقة، أو ملابسهم اللينة...إلخ.
ويبقى منهج الأولين الأولى بالاتباع والاقتداء.. «كل ما يصلحك فافعله» ما دام في باب الطيبات.
قيل لأبي الحسين بن سمعون- رحمه الله-: «أيها الشيخ، أنت تدعو الناسَ إلى الزهد في الدنيا والترك لها وتلبس أحسن الثياب وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟! فقال له: كلُّ ما يُصلحك فافعله، إذا صلُح حالُك مع الله بلبس لين الثياب وأكل طيب الطعام فلا يضرك». يا له من فقهٍ رائعٍ!!
كل ما يصلحك فافعله.. جميل هذا الفهم أن تفعل ما ترى فيه صلاحك، ولا يمنعك فعله من أن تدعو إلى عكسه فهذا الشيخ الجليل يدعو إلى الزهد ويذكر به ويحث عليه ويرغب الناس فيه غير أنَّ حاله يدل على غير ذلك؛ لأنَّ صلاحه واستقامته في هذا الذي فعل، فأكد على ضرورة أن تفعل ما فيه صلاحك، فإن كان صلاحُك في أمر وجب اتباعه، فمن الناس من يصلحه الغنى ومنهم من يبطره، ومنهم مَن يصلحه الفقر ومنهم من يفسده، فبعضهم ترق نفسه بالنعيم ويصلح به شأنه، وبعضهم يقسو به قلبه ويفسد أمره.
فالغاية المرجوة هي الصلاح، وليست اللباس الخشن، ولا الطعام الجاف، ولا المسكن المتواضع، ولا المركب الصعب.. فكثير من الناس خشنت ملابسهم، وساءت أخلاقهم، وخشنت طباعهم.. وآخرون لانت ملابسهم وعظمت عبادتهم، وحسنت أخلاقهم.
وهذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة - رضي الله عنه - كان يدعو الله، ويقول:«اللهم هب لي حمدًا، وهب لي مجدًا، ولا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه».
فهو كريم، معطاء، صاحب نخوة، لا يرى نفسه إلا في ميدان البذل والعطاء.. فيزداد به عطاؤه، وتطمئن نفسه، ويسكن روعه، وتتجلى أخلاقه، فمن كان هذا شأنه ركبه الهم، وحالفه الغم، إن قصد ولم يلب، إن طُلب ولم يعط.. إن زير ولم يكرم.. الا فصلاح شأنه في الكثير.
وهذا يحيى بن يزيد النوفلي يكتب إلى الإمام مالك بن أنس- رضي الله عنهما- قائلاً: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على رسوله محمد من الأولين والآخرين، من يحيى بن يزيد إلى مالك بن أنس، أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الدقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطيء، وتجعل على بابك حاجبًا، وقد جلست مجلس العلم، وقد ضُربت إليك المطي، وارتحل إليك الناس، واتخذوك إمامًا، ورضوا بقولك، فاتق الله تعالى يا مالك، وعليك بالتواضع، كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا ما أطلع عليه غير الله، سبحانه وتعالى، والسلام».
فكتب إليه مالك: »بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام الله عليك، أما بعد:
فقد وصل إليَّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة، والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك بالنصيحة خيرًا، وأسأل الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق، وألبس الدقاق، واحتجب وأجلس على الوطيء، فنحن نفعل ذلك، ونستغفر الله تعالى، فقد قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (الأعراف: من الآية 32).
وإني لأعلم أن ترك ذلك خيرًا من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام».
إجابة الإمام مالك الرائعة، تحمل في طياتها إشارة استنكارية على الذين يحرمون زينة الله، التي أخرج لعباده من الطيبات، وكأنه يقول له: الشأن كله في الصلاح، وليس في اللباس أو الطعام، أو نوع المركب، أو حجم المسكن.
فلا يليق بنا أن نحكم على مَن لان ملبسه، أو طاب مطعمه، أو عظم مسكنه بعدم الصلاح والتقوى؛ فليس هذا ميزان التقوى أبدًا.
بعض مَن ساء فهمه، وفسد ذوقه، يخرج من دائرة الصلاح كثيرًا من الدعاة إلى الله؛ بسبب سياراتهم الفارهة، أو مساكنهم الشاهقة، أو ملابسهم اللينة...إلخ.
ويبقى منهج الأولين الأولى بالاتباع والاقتداء.. «كل ما يصلحك فافعله» ما دام في باب الطيبات.