الواء الذيب
17-06-2005, 09:13 PM
طيلة عمرنا ونحن نرى تناول هوليوود لنا كعرب مجحفا فلا نرى العرب الا اناسا ارهابيين متعطشين للدماء،
متوحشين، يستهدفون دماء (الابرياء )في الغرب، ولذا فإنه في ظل مناخ الصراع السائد حالياً بين الغرب
والعالم العربي كان من الطبيعي ان نشعر المسلمون بشيء من الارتياح ازاء " ملكوت السماء " ،
فيلم ريدلي سكوت الجديد .
ورغم ان رد الفعل المبدئي على فيلم «ملكوت السماء» الذي تكلف 140 مليون دولار اشتمل على اشكال
متعددة للغضب ، إلا أنها لم تأت من جانب الجماعات الاسلامية، بل ان المسيحيين في امريكا واوروبا هم الذين
ثاروا هذه المرة متهمين الفيلم بتصوير صلاح الدين، على خلاف الحقيقة، بأنه صاحب شخصية ذات ابعاد
انسانية يقتدى بها بينما صور الصليبيين المسيحيين كمتطرفين وحشيين متعطشين للدماء.
فيما اعلن مجلس العلاقات الامريكية الاسلامية، مجموعة الدفاع عن حقوق المسلمين، الاسبوع الماضي ان
الفيلم تجنب النمطية او حصر الاحداث ضمن قالب واحد.
وقال المجلس في بيان له «انطباعنا العام هو ان الفيلم يشكل وصفاً متوازناً وايجابياً للحضارة الاسلامية
خلال الحقبة الصليبية».
حتى الصحافة المسيحية الامريكية المعتدلة أشادت بالفيلم ايضاً، وكتب ستيف بيرد في مجلة
«غود نيوز ماغازين» المحافظة :
«مع التوتر السياسي- الاجتماعي - الديني الحالي بين الغرب والعالم الاسلامي، كان يمكن ان يؤدي فيلم
حول قتل العدو باسم الله الى مشاكل او ان يعتبر عملاً فنياً بدون قيمة، لكن الفيلم لم يسقط في اي من
هذين الفخين».
هذا الكلام ليس محور حديثنا الآن ، وبصرف النظر عما قاله المتشددون او ما دافع به سكوت عن فيلمه،
يبقى هذا العمل استثنائياً في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ والتي تكثر فيها نظريات «صدام الحضارات»
و«نهاية التاريخ» والعودة الى شعارات «الحملات الصليبية» على الشرق والتي تركت في نفوس
المسلمين جرحاً لم يندمل بعد .
ايفا غرين ، الوجه الهوليودي الجديد ، و التي تقوم بدور الاميرة سيبيلا في الفيلم قالت عن الفيلم :
«انه فيلم ليس كأفلام هوليوود البلهاء، بل هو فيلم جيد وشجاع وانني آمل ان يؤدي لإيقاظ الناس في
امريكا ليكونوا اكثر تسامحاً واكثر انفتاحاً على الشعب العربي».
مع بداية الفيلم ، ندرك بشكل واضح اسلوب المخرج المتمكن ... تمر مجموعة من الفرسان الصليبيين بأهالي قرية فرنسية يدفنون امرأة ويأمره الكاهن بقطع رأسها لانها انتحرت ثم يخطف صليبها من رقبتها .. يقود الفرسان جيوفر ( ليام نيسون) ، الذي يمر بالحداد باليان زوج المرأة المنتحرة ( أورلاندو بلوم )
ويعلن له انه ابنه غير الشرعي، ويعرض عليه مرافقته الى القدس.
يرفض باليان الذهاب مع ابيه، فيما يستحثه الكاهن على اللحاق به بعد ان قاطعه اهالي القرية بعد انتحار زوجته
والتي نعتها الكاهن بالخاطئة والكافرة ويلمح باليان صليب زوجته التي احب، في عنق الكاهن وفي نوبة غضب
هائلة يرمي به في موقد النار المشتعلة ويسحب الصليب من رقبة الكاهن ليلحق بأبيه في رحلته للقدس بحثاً
عن خلاص لروحه المعذبة.
في الطريق يتبعه عدد من الجنود لإعادته كقاتل، يرفض والده تسليمه وتنشب معركة يجرح الوالد بسهم يبقى
مكسوراً وغائراً بين اضلاعه، وفي الطريق يموت ولكن بعد ان ينسب ابنه له ويورثه سيفه واملاكه ويدعوه
الى ان يحمل في قلبه العدل والتسامح والابتعاد عن التعصب الذي يعمي البصر ويورث الحقد في القلوب .
بعد عاصفة تدمر مركبه يجد نفسه على شاطئ بلاد الشام وبينما هو يمشي يجد حصاناً وتنشب معركة بينه
وبين اثنين من الفرسان العرب من اجل الحصان ليقتل احدهم ويرفض قتل الآخر، والذي نكتشف عبر احداث
الفيلم انه احد تلامذة وقادة صلاح الدين الايوبي، لتبدأ علاقة صداقة بين الاثنين ويرفض القائد العربي ايضاً
قتله في معركة بين المسلمين والفرنجة...
ويصل اخيراً الى القدس ليرتفع الى شرفات التاريخ... الفيلم مزج الحقيقة التاريخية والتخيل الرومانسي ..
في الواقع ، شخصية باليان مذكورة في كتب التاريخ على أنها أحد قواد جيوش الفرنجة ، لكن الباقي بالطبع
صياغة رومانسية من الكاتب والمخرج ، علاقة حب بين باليان والاميرة سيبيلا (ايفا غرين ) وعدائه
المباشر مع زوجها المتعصب والمتهور والطامع بالسلطة لوسينيان (مارتون تشوكاس) .
هنا يتضح لنا أن الإمارة الخاضعة لسيطرة الصليبيين منقسمة على ذاتها وتتقاذفها مصالح قوادها وصراعاتهم
الداخلية ، ففي حين نجد لوسينيان متعطشا للدم ، محالفا رينالد ( بريندان غليسون ) وقاطعا الطريق
على قوافل الحجاج ، نجد زوجته سيبيلا امرأة شفافة وجميلة، ورومانسية وقوية، وكذلك أخيها ملك القدس
الشاب بادوني الخامس (أداء ممتاز من ادوارد نورتون)، روح لطيفة تحت قناع فضي يخفي
وجها يتعفن بمرض الجذام، والذي جلب السلام للمنطقة وعقد هدنة مع صلاح الدين، وفتح المدينة المقدسة
اثناء حكمه لجميع الديانات .
يحاول زوج اخته الطامع بالعرش، عبر هجومه على احدى قوافل المسلمين، ان يؤدي الى نزاع كارثي..
ويجهز صلاح الدين ( غسان مسعود )حملة ضخمة للرد على الاعتداء ويلاقيه الملك على رأس جيشه
وقبل بدء المعركة يتقدم القائدان وجها لوجه و يذكره الملك صلاح الدين باتفاق الهدنة بينهما ويتعهد
بمعاقبة من قام بالاعتداء على القافلة فيستأنف صلاح الدين الهدنة وينسحب مع جيشه.
بيد انه بعد وفاة بادوني بدأ فرسان من الصليبيين المتشددين بمهاجمة قوافل المسلمين في الصحراء.
وحاصر صلاح الدين القدس بجيش قوامه 200 ألف جندي، وتدور رحى معارك نجح ريدلي سكوت كعادته
في إذهالنا بمدى حسن استخدامه للمؤثرات السمعية والبصرية .
ويستسلم باليان ويسلّم المدينة لصلاح الدين الذي يمنح اهلا طريقا للعودة نحو أوربا .
الى هنا اكتفي بالحديث عن قصة الفيلم لئلا أحرقه على من لم يشاهده بعد .
الفيلم إذا يعيد الصياغة الروائية لصعود فارس فرنسي خلال فترة سلام مضطربة بين ملك القدس الفرنجي
والمسلمين ، فترة الهدوء التي انتهت بقسوة في ذروة الفيلم، الفيلم هنا يمشي ضمن حقل الغام ثقافي سياسي ،
وبالاخص في ظل الصراع الحالي بين الغرب والشرق.
بالنسبة للإخراج فالفيلم من الناحية الإخراجية ممتاز ، ريدلي سكوت صنع ملحمة سينمائية مذهلة، ومغامرة
ابداعية سينمائية بإطار من البصرية المدهشة، رسم بالضوء والصورة لوحة هائلة، يتشكل فيها التاريخ،
مليئة بالاستعراضات الضخمة ، واعاد صياغة حقبة تاريخية قديمة خلال اوقات ولحظات مثيرة جداً وقعت ما
بين فترة الحملات الصليبة الثانية والثالثة عندما استعاد المسلمون القدس.
بالنسبة للنص فهو ممتع ، ريدلي سكوت معروف عنه أنه مأسور بفكرة الفروسية ، ويعتز جدا بلقب
السير الممنوح له من ملكة انكلترا ، شاهدنا شخصيات الفيلم في أحاديثها قريبة جدا من روح المخرج المقتنع
تماما بفكرة فيلمه ، الفيلم مأهول بالشخصيات المحبوكة جيداً، بطولة الفرسان والخبث القاسي للمتعصبين،
على الرغم من أن بعض الشخصيات قادم من التاريخ الحقيقي وبعضها خيالي بالكامل، والبعض مزيج من
هذا وذاك ، الا أن سكوت نجح في خلق توليفة ناجحة بين جميع شخصيات فيلمه
كما رأينا النص مليئا بالإيحاءات الجميلة ، سواء كلامية أو بصرية ، كالمشهد الجميل بين
صلاح الدين وباليان حين يسأله عما تعني القدس له ، فيجيب صلاح الدين :
لا شي ء ، ويمشي بضع خطوات قبل أن يستدير ويتابع : وكل شيء .
مشهد رفع صلاح الدين للصليب الملقى على الأرض حين دخوله المدينة من أكثر المشاهد تأثيرا دون أن يكون
فيها مجرد كلمة واحدة ، وفيه الكثير من الدلالات على أن المسلمين لم يكونوا يوما منتهكي حرمة ديانة أخرى .
بالنسبة للممثلين فبرأيي نجح ريدلي سكوت في اختيار ممثليه بعيدا عن الممثلين الأميركيين ( الأقل صلاحية )
لمثل هكذا أدوار تاريخية ، ملاحظ أن جلّ من استخدمهم ريدلي سكوت كانوا ممثلين مسرحيين ، بما فيهم
ليام نيسون وجيرمي ايونز وبريندان غليسون وغسان مسعود ، الممثل المسرحي يبقى أكثر خبرة وأقدر
على تأدية مثل هذه النمطية من الادوار .. حتى اورلاندو بلوم برأيي لم يكن سيئا ، وشاهدناه للمرة الأولى
في دور حقيقي يستطيع ان يبرز شيء عنده ، بعيدا عن خواتم بيتر جاكسون ، لكن مع ذلك برأيي
الوقوف أمام عمالقة أمثال ايونز ونيسون يحتاج الى أكثر خبرة ، وهذه لا تتوافر عند بلوم .
غسان مسعود برأيي بصم بشكل جيد في تأدية دور صلاح الدين ، كم أعجبني حين قال
لبلوم حين تحدث معه عن قتل الصبية والنساء : أنا لست مثلكم ... أنا صلاح الدين .
هذه الجملة لوحدها تكفي ... ولا أريد اضافة المزيد .
ادوارد نورتون يجب الوقوف عند دوره ( الصوتي ) طويلا ، مسألة تأدية دور من دون أن نرى وجه
من يؤديه أمر صعب للغاية على الممثل ، لذا أعتقد ان ريدلي سكوت وفق تماما في اختيار هذا الدور الصعب
لممثل يعشق الادوار الصعبة .
الموسيقى جاءت جميلة ، نجح المؤلف في المزج بين الموسيقا الغربية ومتعة الموسيقا العربية ،
فجاءت خادمة لفكرة الفيلم ، وهي القدرة على المزج بين جميع المعتقدات في مدينة الأديان القدس .
بالنهاية نستطيع القول أن «ملكوت السماء» مغامرة ملحمية حول رجل يجد نفسه دفعة واحدة في أزمنة
مليئة بالحروب والقتل ... غريباً في ارض غريبة ، يخدم ملكاً لا يعرفه ويبحث عن خلاص روحه بعيداً عن
جاه السلطة ودمويتها.
عدا عن كونه تشكيلاً سينمائياً مدهشاً فإن «ملكوت السماء» يقارب ارواحاً مضطربة يشدها حنين
لفردوس مفقود وأمان روحي غائب .
بطاقة الفيلم :
الفيلم : ملكوت السماء - 2005
قصة : وليم موناهان
اخراج : ريدلي سكوت
بطولة : أولاندو بلوم - ليام نيسون - جيرمي ايونز - ايفا غرين - ادوارد نورتون -
بريندان غليسون - غسان مسعود .
طول الفيلم : ساعتين وخمسة وعشرين دقيقة
موسيقا الفيلم : هاري ويليامز .
متوحشين، يستهدفون دماء (الابرياء )في الغرب، ولذا فإنه في ظل مناخ الصراع السائد حالياً بين الغرب
والعالم العربي كان من الطبيعي ان نشعر المسلمون بشيء من الارتياح ازاء " ملكوت السماء " ،
فيلم ريدلي سكوت الجديد .
ورغم ان رد الفعل المبدئي على فيلم «ملكوت السماء» الذي تكلف 140 مليون دولار اشتمل على اشكال
متعددة للغضب ، إلا أنها لم تأت من جانب الجماعات الاسلامية، بل ان المسيحيين في امريكا واوروبا هم الذين
ثاروا هذه المرة متهمين الفيلم بتصوير صلاح الدين، على خلاف الحقيقة، بأنه صاحب شخصية ذات ابعاد
انسانية يقتدى بها بينما صور الصليبيين المسيحيين كمتطرفين وحشيين متعطشين للدماء.
فيما اعلن مجلس العلاقات الامريكية الاسلامية، مجموعة الدفاع عن حقوق المسلمين، الاسبوع الماضي ان
الفيلم تجنب النمطية او حصر الاحداث ضمن قالب واحد.
وقال المجلس في بيان له «انطباعنا العام هو ان الفيلم يشكل وصفاً متوازناً وايجابياً للحضارة الاسلامية
خلال الحقبة الصليبية».
حتى الصحافة المسيحية الامريكية المعتدلة أشادت بالفيلم ايضاً، وكتب ستيف بيرد في مجلة
«غود نيوز ماغازين» المحافظة :
«مع التوتر السياسي- الاجتماعي - الديني الحالي بين الغرب والعالم الاسلامي، كان يمكن ان يؤدي فيلم
حول قتل العدو باسم الله الى مشاكل او ان يعتبر عملاً فنياً بدون قيمة، لكن الفيلم لم يسقط في اي من
هذين الفخين».
هذا الكلام ليس محور حديثنا الآن ، وبصرف النظر عما قاله المتشددون او ما دافع به سكوت عن فيلمه،
يبقى هذا العمل استثنائياً في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ والتي تكثر فيها نظريات «صدام الحضارات»
و«نهاية التاريخ» والعودة الى شعارات «الحملات الصليبية» على الشرق والتي تركت في نفوس
المسلمين جرحاً لم يندمل بعد .
ايفا غرين ، الوجه الهوليودي الجديد ، و التي تقوم بدور الاميرة سيبيلا في الفيلم قالت عن الفيلم :
«انه فيلم ليس كأفلام هوليوود البلهاء، بل هو فيلم جيد وشجاع وانني آمل ان يؤدي لإيقاظ الناس في
امريكا ليكونوا اكثر تسامحاً واكثر انفتاحاً على الشعب العربي».
مع بداية الفيلم ، ندرك بشكل واضح اسلوب المخرج المتمكن ... تمر مجموعة من الفرسان الصليبيين بأهالي قرية فرنسية يدفنون امرأة ويأمره الكاهن بقطع رأسها لانها انتحرت ثم يخطف صليبها من رقبتها .. يقود الفرسان جيوفر ( ليام نيسون) ، الذي يمر بالحداد باليان زوج المرأة المنتحرة ( أورلاندو بلوم )
ويعلن له انه ابنه غير الشرعي، ويعرض عليه مرافقته الى القدس.
يرفض باليان الذهاب مع ابيه، فيما يستحثه الكاهن على اللحاق به بعد ان قاطعه اهالي القرية بعد انتحار زوجته
والتي نعتها الكاهن بالخاطئة والكافرة ويلمح باليان صليب زوجته التي احب، في عنق الكاهن وفي نوبة غضب
هائلة يرمي به في موقد النار المشتعلة ويسحب الصليب من رقبة الكاهن ليلحق بأبيه في رحلته للقدس بحثاً
عن خلاص لروحه المعذبة.
في الطريق يتبعه عدد من الجنود لإعادته كقاتل، يرفض والده تسليمه وتنشب معركة يجرح الوالد بسهم يبقى
مكسوراً وغائراً بين اضلاعه، وفي الطريق يموت ولكن بعد ان ينسب ابنه له ويورثه سيفه واملاكه ويدعوه
الى ان يحمل في قلبه العدل والتسامح والابتعاد عن التعصب الذي يعمي البصر ويورث الحقد في القلوب .
بعد عاصفة تدمر مركبه يجد نفسه على شاطئ بلاد الشام وبينما هو يمشي يجد حصاناً وتنشب معركة بينه
وبين اثنين من الفرسان العرب من اجل الحصان ليقتل احدهم ويرفض قتل الآخر، والذي نكتشف عبر احداث
الفيلم انه احد تلامذة وقادة صلاح الدين الايوبي، لتبدأ علاقة صداقة بين الاثنين ويرفض القائد العربي ايضاً
قتله في معركة بين المسلمين والفرنجة...
ويصل اخيراً الى القدس ليرتفع الى شرفات التاريخ... الفيلم مزج الحقيقة التاريخية والتخيل الرومانسي ..
في الواقع ، شخصية باليان مذكورة في كتب التاريخ على أنها أحد قواد جيوش الفرنجة ، لكن الباقي بالطبع
صياغة رومانسية من الكاتب والمخرج ، علاقة حب بين باليان والاميرة سيبيلا (ايفا غرين ) وعدائه
المباشر مع زوجها المتعصب والمتهور والطامع بالسلطة لوسينيان (مارتون تشوكاس) .
هنا يتضح لنا أن الإمارة الخاضعة لسيطرة الصليبيين منقسمة على ذاتها وتتقاذفها مصالح قوادها وصراعاتهم
الداخلية ، ففي حين نجد لوسينيان متعطشا للدم ، محالفا رينالد ( بريندان غليسون ) وقاطعا الطريق
على قوافل الحجاج ، نجد زوجته سيبيلا امرأة شفافة وجميلة، ورومانسية وقوية، وكذلك أخيها ملك القدس
الشاب بادوني الخامس (أداء ممتاز من ادوارد نورتون)، روح لطيفة تحت قناع فضي يخفي
وجها يتعفن بمرض الجذام، والذي جلب السلام للمنطقة وعقد هدنة مع صلاح الدين، وفتح المدينة المقدسة
اثناء حكمه لجميع الديانات .
يحاول زوج اخته الطامع بالعرش، عبر هجومه على احدى قوافل المسلمين، ان يؤدي الى نزاع كارثي..
ويجهز صلاح الدين ( غسان مسعود )حملة ضخمة للرد على الاعتداء ويلاقيه الملك على رأس جيشه
وقبل بدء المعركة يتقدم القائدان وجها لوجه و يذكره الملك صلاح الدين باتفاق الهدنة بينهما ويتعهد
بمعاقبة من قام بالاعتداء على القافلة فيستأنف صلاح الدين الهدنة وينسحب مع جيشه.
بيد انه بعد وفاة بادوني بدأ فرسان من الصليبيين المتشددين بمهاجمة قوافل المسلمين في الصحراء.
وحاصر صلاح الدين القدس بجيش قوامه 200 ألف جندي، وتدور رحى معارك نجح ريدلي سكوت كعادته
في إذهالنا بمدى حسن استخدامه للمؤثرات السمعية والبصرية .
ويستسلم باليان ويسلّم المدينة لصلاح الدين الذي يمنح اهلا طريقا للعودة نحو أوربا .
الى هنا اكتفي بالحديث عن قصة الفيلم لئلا أحرقه على من لم يشاهده بعد .
الفيلم إذا يعيد الصياغة الروائية لصعود فارس فرنسي خلال فترة سلام مضطربة بين ملك القدس الفرنجي
والمسلمين ، فترة الهدوء التي انتهت بقسوة في ذروة الفيلم، الفيلم هنا يمشي ضمن حقل الغام ثقافي سياسي ،
وبالاخص في ظل الصراع الحالي بين الغرب والشرق.
بالنسبة للإخراج فالفيلم من الناحية الإخراجية ممتاز ، ريدلي سكوت صنع ملحمة سينمائية مذهلة، ومغامرة
ابداعية سينمائية بإطار من البصرية المدهشة، رسم بالضوء والصورة لوحة هائلة، يتشكل فيها التاريخ،
مليئة بالاستعراضات الضخمة ، واعاد صياغة حقبة تاريخية قديمة خلال اوقات ولحظات مثيرة جداً وقعت ما
بين فترة الحملات الصليبة الثانية والثالثة عندما استعاد المسلمون القدس.
بالنسبة للنص فهو ممتع ، ريدلي سكوت معروف عنه أنه مأسور بفكرة الفروسية ، ويعتز جدا بلقب
السير الممنوح له من ملكة انكلترا ، شاهدنا شخصيات الفيلم في أحاديثها قريبة جدا من روح المخرج المقتنع
تماما بفكرة فيلمه ، الفيلم مأهول بالشخصيات المحبوكة جيداً، بطولة الفرسان والخبث القاسي للمتعصبين،
على الرغم من أن بعض الشخصيات قادم من التاريخ الحقيقي وبعضها خيالي بالكامل، والبعض مزيج من
هذا وذاك ، الا أن سكوت نجح في خلق توليفة ناجحة بين جميع شخصيات فيلمه
كما رأينا النص مليئا بالإيحاءات الجميلة ، سواء كلامية أو بصرية ، كالمشهد الجميل بين
صلاح الدين وباليان حين يسأله عما تعني القدس له ، فيجيب صلاح الدين :
لا شي ء ، ويمشي بضع خطوات قبل أن يستدير ويتابع : وكل شيء .
مشهد رفع صلاح الدين للصليب الملقى على الأرض حين دخوله المدينة من أكثر المشاهد تأثيرا دون أن يكون
فيها مجرد كلمة واحدة ، وفيه الكثير من الدلالات على أن المسلمين لم يكونوا يوما منتهكي حرمة ديانة أخرى .
بالنسبة للممثلين فبرأيي نجح ريدلي سكوت في اختيار ممثليه بعيدا عن الممثلين الأميركيين ( الأقل صلاحية )
لمثل هكذا أدوار تاريخية ، ملاحظ أن جلّ من استخدمهم ريدلي سكوت كانوا ممثلين مسرحيين ، بما فيهم
ليام نيسون وجيرمي ايونز وبريندان غليسون وغسان مسعود ، الممثل المسرحي يبقى أكثر خبرة وأقدر
على تأدية مثل هذه النمطية من الادوار .. حتى اورلاندو بلوم برأيي لم يكن سيئا ، وشاهدناه للمرة الأولى
في دور حقيقي يستطيع ان يبرز شيء عنده ، بعيدا عن خواتم بيتر جاكسون ، لكن مع ذلك برأيي
الوقوف أمام عمالقة أمثال ايونز ونيسون يحتاج الى أكثر خبرة ، وهذه لا تتوافر عند بلوم .
غسان مسعود برأيي بصم بشكل جيد في تأدية دور صلاح الدين ، كم أعجبني حين قال
لبلوم حين تحدث معه عن قتل الصبية والنساء : أنا لست مثلكم ... أنا صلاح الدين .
هذه الجملة لوحدها تكفي ... ولا أريد اضافة المزيد .
ادوارد نورتون يجب الوقوف عند دوره ( الصوتي ) طويلا ، مسألة تأدية دور من دون أن نرى وجه
من يؤديه أمر صعب للغاية على الممثل ، لذا أعتقد ان ريدلي سكوت وفق تماما في اختيار هذا الدور الصعب
لممثل يعشق الادوار الصعبة .
الموسيقى جاءت جميلة ، نجح المؤلف في المزج بين الموسيقا الغربية ومتعة الموسيقا العربية ،
فجاءت خادمة لفكرة الفيلم ، وهي القدرة على المزج بين جميع المعتقدات في مدينة الأديان القدس .
بالنهاية نستطيع القول أن «ملكوت السماء» مغامرة ملحمية حول رجل يجد نفسه دفعة واحدة في أزمنة
مليئة بالحروب والقتل ... غريباً في ارض غريبة ، يخدم ملكاً لا يعرفه ويبحث عن خلاص روحه بعيداً عن
جاه السلطة ودمويتها.
عدا عن كونه تشكيلاً سينمائياً مدهشاً فإن «ملكوت السماء» يقارب ارواحاً مضطربة يشدها حنين
لفردوس مفقود وأمان روحي غائب .
بطاقة الفيلم :
الفيلم : ملكوت السماء - 2005
قصة : وليم موناهان
اخراج : ريدلي سكوت
بطولة : أولاندو بلوم - ليام نيسون - جيرمي ايونز - ايفا غرين - ادوارد نورتون -
بريندان غليسون - غسان مسعود .
طول الفيلم : ساعتين وخمسة وعشرين دقيقة
موسيقا الفيلم : هاري ويليامز .