الرســـــام
05-04-2006, 04:14 AM
Amelie (http://www.imdb.com/title/tt0211915/)
حينما تُصوَّر الحيـاة على شكل لوحة تشع منها الألوان الزاهية .. وتبرق من خلالها الملامح المرسومة بدقة متناهية ..
لتستشعر من خلالها أرق الصور الحالمة وأعذب الخيالات الساحرة .. بعيدا عن تفسيرات المنطق المبتذلة ومنعطفات العمق النفسيِّ القـاتمة ..
فتحس ببساطة الحياة وشفافيتها وتحاول أن تندمج مع الصور الخلابة التي رسمت داخل هذه اللوحة .. لتجد سؤالا جوهريا يبرق من بين ثناياها :
هل الحيـاة في ذاتها معقدة ؟؟ .. وهل هي مليئة بالمفارقات التي يستعصي على العقل فهمهـا وترجمتها ترجمة منطقية ؟؟ ..
ربما يؤيد كثير من النـاس تلك النظرة .. إلا أنني أخالفها مخالفة تامة وقطعية ..
فالغموض والتعقيد الذي يكتنف الحياة إنما هو صادر من النفس البشرية والتي تضفي بدورها على الحياة جوا من الضبابية والسوداوية المقيتة ..
وتلقي عليهـا كمـًّا هائلا من الرؤى اللامنطقية التي تفرضها النفسيـات المختلفة والمليئة بالمفارقات والتعقيدات ..
إذن ما الرابط من كل تلك الافتراضات الفلسفية هاهنا ؟؟
الرابط هو أن فلم إيملي بكل دقة ووضوح ... يمثل ترجمة تصويريـة لفلسفـة البسـاطة هذه .. لتجد أنها تتجلى في كل جزء من أجزائه وفي أدق تفاصيله ..
فإيملي هي طفلة كسائر الأطفال .. إلا أن طفولتها تميزت بكمٍّ وافر من الغرابة التي حولتها إلى شخص – رغم رقته وعذوبته – إلا انه لا يتميز بأي إحساس تجاه أي شيء ..
فنجد أنها قد ولدت لأبوين يتميز كلاهما بغرابة الأطوار إلى حد ربما يصل إلى الشذوذ .. مما جعلها ترث عنهما شيئا من غرابتهما فيما بعد ..
فأبوها طبيب متبلد الإحساس .. لا يحتضنها ولا يعاملها كطفلة تبحث عن الحنان وتحلم بأب يقدم لها حبه ممزوجا بقربه منها واحتضانه لها واللعب معها ..
وبناء على ذلك .. نجد أن ضربات قلبها تتسارع بشكل مخيف حينما يقترب منها أبوها ليكشف عليها اطمئنانا منه على صحتها .. مما يجعله يوقن بأن لديها خللا في القلب ..
مما يؤدي لمنعها من الذهاب للمدرسة واللعب خارج المنزل ومخالطة الأطفال .. ظنا منه أن ذلك في سبيل حمايتها من تفاقم معضلتها المرضية ..
لتتولى أمها تدريسها في المنزل .. حيث انها تعمل مدرسة مما أكسبها شيئا من الخبرة في تعليم ابنتها بعيدا عن جدران المدرسة ..
وذات يوم ذهبت الأم مع ابنتها إيملي إلى الكنيسة .. وما إن خرجتا حتى خرت من فوقهما جثة سائحة منتحرة .. لتسقط مباشرة فوق الأم مما أدى إلى حتفها على الفور !!
لتنقلب حياة الأب رأسا على عقب .. ويصبح أكثر انطواء وغرابة من ذي قبل ..
اما إيملي .. فقد كانت تلك الحادثة الغريبة زيادة في رصيدها المليء بالمفارقات العجيبة التي تجبرها يوما بعد يوم على الانطواء أكثر فأكثر ..
فنجد أنها تكبر ويكبر معها كل أحاسيس الوحدة والتبلد في المشاعر والانعزال عن مخالطة الناس والغوص في خضم الحياة ..
لتلجـأ بذلك إلى عالم آخر هو عالم الخيـال والأحلام والتـأمل .. لتصنع صورا ساحرة كثيرة وتركبهـا على حيـاتها لعلها أن تمنحها شعورا بالسعادة والاختلاط ..
فنجد أنها غير معقدة أبدا .. ولم تخالطها الحياة ولم تتـأثر بالمفارقات النفسية والشعورية التي ستخلف فيها كما هائلا من التعقيدات ..
لقد كانت بسيطة في رؤيتها .. وبسيطة في شعورها .. وبسيطة في كل أمورها ..
وهنا تبرز فلسفة البساطة التي قام على أساسها الفلم ..
فعندما كانت إيملي خالية تماما من التعقيدات النفسية العميقة .. نجد في المقابل أن الحياة كانت بسيطة من حولها وسهلة الفهم من خلال رؤيتها ..
إلا أنها ورغم ذلك تجدها غامضة لعدم معرفتها بها أو رغبتها في التقرب منها وفهمها ..
لنجد أن الفلم يحاول أن يرسم – بدقة وشفافية – فلسفة البساطة والتي تقوم على أن الحياة ليست معقدة .. وإنما نحن من يجعلها معقدة بأفعالنا التي تنعطف من خلالها نفسيتنا ..
وتتشكل رؤيتنا تبعا لما تخلفه تلك الأفعال من تـأثيرات نفسية وشعورية ..
فالحياة من خلال رؤيته إنما هي مجرد لوحة .. نستطيع أن نرسم فيها ما نشاء وأن نشكلها بشتى الألوان التي نرغبها .. إذا استطعنا فقط أن نتخلص من شوائب أفعالنا ..
هو لن يناقش احتمالية التكيف مع الحيـاة بدون التــأثر بما يحدث فيها .. وإنما يصور لنا تلك الاحتمالية بعد حدوثها وكيف أن الحياة حينها تصبح في منتهى البساطة ..
إلا أن إيملي – والتي أصبحت تعمل نادلة في أحد المطاعم – وبعد كل تلك المفارقات العجيبة التي تميزت بها طفولتها الغريبة .. إصطدمت بحادثة غيرت مجرى حياتها وجعلتها تفكر في الدخول في معمعة الحياة ..
فقد استطاعت – ومن خلال صندوق وجدته في شقتها يعود لطفـلٍ كان من الذين سكنوا قبلها – أن تغير مجرى حياته بعد أن تُرجع هذا الصندوق إليه ..
لتلاحظ كيف أنها وبفعلٍ في منتهى البسـاطة والسهولة قد قلبـت حياة هذا الشخص من رجل يائس محبط إلى رجل ينبض بالحيـاة ..
حرك هذا الشيء وجدانها ومشاعرها التي لم تتحرك منذ طفولتها .. مما جعلها تؤمن بأن الاختلاط في الحيـاة هو أمر رائع إذا كان على طريقتها فقط ..
فمضت مندفعة تحاول أن تغير حيــاة كل شخص من حولها نحو الأفضل .. وأن تبعث الأمل في كل من فقد الأمل عبر وسائل تشبه الخيال الذي كانت تداعبه طوال حيـاتها الماضية ..
فحاولت مسـاعدة أبيها الذي غرق في أحزانه منذ وفاة زوجته عبر إرغامه على السفر لعله أن يسلو قليلا بحيلةٍ – رغم غبائها – إلا أن الفلم يطرحها بطريقةٍ كوميديةٍ عبثيـَّةٍ رائعة ..
كالتي نراها محتشمةً نوعا ما في Forrest Gumb .. ونجدها موغلة في العبثية في أفلام أخرى مثل Dr . Strangelove وكذلك Airplane وغيرهما ..
كما حاولت مساعدة جارتها التي خدعها زوجها بسرقة مالهما وهربه مع عشيقته إلى جاءها خبر وفاته في حادث سيارة .. مما جعلها تفقد أي معنى للحياة وأي ثقة بالسعادة ..
وكذلك مع زميلتها في العمل والتي تشكو من الوسوسة الشديدة عندما قربت بينها وبين رجل شكاك يأتي كل يوم ليسجل كل تحركات صديقته السابقة ..
كما أنها تعرفت على جارها العجوز والذي يشكو من هشاشةٍ في العظام مما جعله حبيس غرفته لمدة تفوق العشرين سنة ..
فنجده مولعا بالرسم إلا أنه لا يرسم – ولمدة عشرين عـاما – سوى لوحة واحدة وهي لوحة رونوار الشهيرة ( غذاء المجذفين ) .. فيكتشف – على حد قوله – في كل مرة شيئا جديدا تتضمنه اللوحة ..
وبين هذا وذاك .. تمر إيملي ذات يوم عن طريق الصدفة بشاب غريب الأطوار يدعى نينـو .. لنراه يجمع الصور الممزقة تحت آلة التصوير المتنقلة !! ..
ويضمها في ألبوم يحوي العشرات من الصور الملصقة جرَّاء تمزيقها .. والتي تحتوي على صور أناس يجهلهم تماما وتتباين تعابيرهم ..
وذات يوم يسقط منه ذلك الألبوم لتأخذه إيملي ومن بعدها نجدها تمارس معه ألاعيبا وحيلا في إيصال هذا الألبوم له .. ففي كل مرة تحاول فيه إعطاءه إياه تجد شيئا يردها عن ذلك ..
وأصبحت تحس تجاهه – رغم عدم معرفتها الدقيقة به – بمشـاعرٍ متوقدة لم تعهدها من قبل .. إلى أن تمضي قصة الفلم لغايتها التي لن أحرقها عليكم ..
من أجمل الإسقاطات التي شاهدتها في الأفلام بشكل عام .. وإحدى أكثر الإسقاطات التي تصب في فكرة الفلم الأساسية ذكاء ودهاء ..
هي في تلك الصورة التي كانت في الألبوم .. والتي تعود لرجلٍ جامد الملامح كان يصور نفسه في كل آلات التصوير التي تتوزع في أرجاء المدينة ..
فكانت إيملي و نينو يريـان فيه كمية من الغموض الذي يستعصي عليهم فهمه .. وسرا عظيما يحـاول كلاهما الإجابة عليه ووضع الاحتمالات التي يمكن أن تكون إجابة لسؤالهما ..
فنجد أن الفلم يطرح تلك النقطة وكأنها جزء من الغموض والتعقيد الذي نجده في كل جزء من أجزاء الحيـاة .. وأنها من تلك الأحداث التي يستعصي فهمها لغرابتها الشديدة ..
ثم ينفي الفلم تلك الفكرة عبر إسقاطةٍ ذكية بل وعبقريـة .. وهي أن هذا الرجل الذي يُفترض أن يكون سرا كبيرا ليس إلا الميكانيكي المكلف بمتابعة تلك الآلات !!!
ولذلك فإنه يضطر لتصوير نفسه ليتـأكد من سلامة الآلة .. وهذا هو سبب جمود ملامحه وبرودتها وخلوُّها من أي تعبير .. وطبيعيٌّ أنه سيمزق تلك الصور التي لا داعي لها ..
لقد عبَّر الفلم عن فكرته عبر تلك الإسقاطة العبقرية وبأسلوب لا يخلو من الجمـال والسحر الممزوج بالكوميديـا .. ليختصر مسافات شاسعة في إيصال الفكرة بالشكل المطلوب ..
حينما تشـاهد فلما عميقا مثل أماديوس أو الثور الهائج .. تلك الأفلام التي تحتوي بين ثناياها على مقدار من العمق الشديد والغوص في أعماق النفس البشرية ..
فإنك تحتاج في مشـاهدتها إلى عمقٍ في التفكير ودقة مـاهرة في الرؤية والتحليل ومحاولة الفهم الصحيح للمعالجة المطروحة ..
مما يجعلهـا دسمة وذات صعوبة تحتِّم عليك السير وراء جميع خطوطها وعدم إهمال أي جزء منها لأنه يمثل منعطفا في بناء الشخصية ومعالجته لها ..
أما في إيملي .. فإنك على النقيض ستحتاج إلى أن ترخي أفكارك وتطلق العنـان لمشاعرك وعقلك لتتعـامل مع مجريـات الفلم بكل خفة وشفافية و ( بسـاطة ) ..
وبعيدا عن قيـود العمق الفكري والإسقـاطات المنطقية .. مما يجعله تجربة روحية ساحرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ..
أبرز السمات التي جعلت من فلم إيملي رائعا وجميلا هي تلك الروح التي تقف خلف كل أدوات الفلم : الكوميديا .. الرومانسية .. الدراما ..
ويقول النـــاقد ستيفن فري :
There's real magic in this movie — and enough energy to power a whole city on a dark and gloomy night ). )
( هنـالك سحر حقيقي في هذا الفلم .. وطـاقة كافية لإضاءة أية مدينة تكللت بليـل مظلم وكئيب ) ..
فما يعرضه هذا الفلم من سحر وروح مرحة لا يمكنك تجاهها سوى أن تتراقص معها ومع صورها الحقيقيـة المتحركة ..
وأن تحس من خلالها بالطعم الحقيقي للحيـاة وأن تتذوق بسـاطتها وان تتعايش مع الأمل الذي تستشفـه في كل جزء من أجزاء الفلم بدون استثنـاء .
الجوائز :
استطاع فلم Amélie ان يحدث ضجة كبيرة عندما عرض لما يتميز به من تفرد في أسلوبه الغريب .. مما هيأ له المنافسة الشديدة في كثير من المهرجانات السينمائية الكبيرة ..
إلا أن عدم دخوله في قائمة الترشيح الرئيسي في مهرجان كان ودخوله بدلا عن ذلك في قائمة (Not serious ) كان مفاجئا وغريبا في نفس الوقت ..
أما في الأوسكار .. فمن الصعب أن يترشح فلم غير ناطق بالإنجليزية لجوائز الأوسكار .. إلا أن هنالك استثناءات كثيرة تُخضع اللجنة لقبول ترشيح بعض الأفلام الأجنبية بل وربما فوزها ..
كما راينا في كثير من أفلام الأسطورة السويدية Ingmar Bergman .. وكذلك الساحر الإيطالي Federico Fellini .. وأسطورة اليابان الإعجازية Akira Kurosawa ..
وكان إيملي جزء من ذلك الاستثناء .. فترشح لخمس جوائز وهي :
1 – أفضل أزياء ( لا أعلم إن كانت هذه هي الترجمة الصحيحة ) 2 – أفضل تصوير 3 – أفضل فلم بلغة أجنبيــة 4 – أفضل صوت 5 – أفضل سيناريو ..
إلا أنه وللأسف خسرها .. رغم أنني لا زلت أرى بأحقيته في أفضل سيناريو .. ولأنني لم أشاهد فلم Gosford Park الفائز بأفضل سيناريو .. فلن أستعجل في الحكم حتى يتسنى لي مشاهدته ..
علامة الاستفهام الكبرى هي عدم ترشيح المبدعة Audrey Tautou .. رغم الثنـاء النقدي والجماهيري الكبير الذي تلقته جرَّاء دورها ..
الطـــــــــــاقم :
المخرج Jean-Pierre Jeunet ..
حينما نتكلم عن هذا المخرج فإننا نتكلم عن أحد أفضل المخرجين الفرنسيين في الوقت الحـالي رغم قلة أعماله لدرجة كبيرة جدا ..
فلَم يخرج في التسعينـات كلها سوى ثلاثة أفلام هي Delicatessen وكذلك The City of Lost Children وآخر أفلام السلسلة الشهيرة Alien: Resurrection ..
وقد تقاسم الإخراج في الفلمين الأول والثاني مع المخرج الآخر Marc Caro ..
إلا أنه ومع بداية الألفية فاجأ الجميع بأجمل أفلامه وأشدها شهرة Amélie ..
وأتبعه في العام 2004 بفلمه الحربي والرائع جدا A Very Long Engagement .. والذي رغم فشله – نوعا ما – في رسم صورة دقيقة عن الحرب بمعناها المعهود ..
إلا أنه استطاع أن يخلق من خلالها قصة حب رائعة ومغلفة بسحر لا تجده بالطبع إلا في الأفلام الفرنسية والإيطاليــة ربما ..
ورغم قلة أفلامه .. إلا أنني أحس ومن خلال ما شاهدت له أنه يركز في إخراجه كثيرا على الشخصيـات ومحاولة إشباعها بالملامح المرسومة لها .. وهو ما نستشعره في فلمه Amélie ..
حيث استطـاع أن يصنع لكل شخصيـة أسلوبها وأن يزخرفها بالصور والطبائع التي تفرض بها نفسها على المشـاهد وكأنها ليست مجرد أدور مساعده .. مما يرفع من جودة الطاقم ككل ..
إلا أنه وفي المقابل يفتقر للعمق في معالجته وهو أمر واضح في فلمه A Very Long Engagement .. حيث أنك لا تكاد تعيب عليه سوى معالجته الباردة للحرب وللشخصيـات المتعلقة بها .
استطاع Jean-Pierre Jeunet أن يصنع في إيملي الكثير من الابتكار في أسلوبه وأن يملؤه بالصور الخيالية الإبداعية المدهشة ..
فنجد أن أسلوبه في السرد متفرد ببساطته في تصوير الأحداث بقالب هو أقرب إلى طابع الخيال .. وأن يملأه بجوٍّ من الكوميديا العبثية التي تمتزج مع الأحداث امتزاجا رائعا وساحرا ..
وحينما نذكر المخرج Jean-Pierre Jeunet فإننا سنضطر لذكر الكـاتب الرائع Guillaume Laurant .. والذي تعاون مع جين في عدة أفلام وهي The City of Lost Children
بالتعـاون مع الكاتب الآخر Gilles Adrien .. وكذلك في الفلم الحربي الرومانسي A Very Long Engagement .. و كذلك في فلمنا هذا ..
استطاع Guillaume Laurant بالتعاون مع Jean-Pierre في كتابة أحد أجمل السيناريوهات منذ بداية الألفية وحتى الآن ..
وأحد أكثر سيناريوهات الأفلام الكوميدية الرومانسية بهجة وروعة وسحرا .. فقد استطاعا أن يخلقا أسلوبا مختلفا ومميزا جعل من فلمهما أحد التحف الفنية التي تشبه اللوحات التشكيلية ..
واستحقا عليه جميع الجوائز التي نالوها والترشيحات التي خسروها .. وأتطلع لمزيد من التعاون المثمر بينهما في المستقبل ..
الممثلة Audrey Tautou ..
يقـول النـاقد بيتر هاول ( بتصرف) :
( The sunniest face and the greatest acclaim belong to Audrey Tautou, who is new to these shores , she's like a young Audrey Hepburn, making us laugh and feel empathy without feeling manipulated ).
( إن الوجه الأكثر إشراقا والمديح الأعظم يعود إلى Audrey Tautou .. والتي هي في أول مسيرتها الفنية .. فهي مثل أودري هيبورن في شبابهــا .. حيث تضحكنا وتحسسنا بالتعـاطف معها بدون الاحتيال علينـا )
فملامحها الطفوليـة البريئة .. ونظراتها الساحرة المحببة .. تجبرك على الاستمتـاع بتمثيلها الذي يحتوي على كم هـائل من البراءة والخفـة المدهشة و الطبيعيـة ..
حيث يمثل اختيارها لهذا الدور أحد أهم عوامل النجـاح في هذا الفلم .. وكأن الشخصيـة قد فصِّلت لها بكل حذافيرها .. ولو وقع الاختيار على غيرها لكان لنــا كلام آخر ...
فليس بقليل أن نرى كمية من الأدوار النسائية الأسطورية في جانب التمثيل والإتقـان الشديد للشخصية في كل جزء منها ..
ولكن القليل هو أن يجتمع الإتقـان في التمثيــل مع العـذوبة والسحر الذي يفرض عليك فرضا أن تذوب معه وأن تنبهر بسلاستـه العجيبة وعذوبتـه الفـاتنة ..
فقد استطاعت Audrey Tautou أن تجمع بين الاثنين في قالب سحري وخيالي قد لا ينـافسه في ذلك سوى أداء الأسطورة البلجيكية Audrey Hepburn في الفلم الخـالد Roman Holiday
وكما قلت سابقا أن عدم ترشيحها في الأوسكار كان صدمة موجعة بالنسبة لعشاق هذا الفلم الذين كانوا ينظرون إليه كأحد أجمل الأدوار النسائية وأكثرها رقة وعذوبة ..
الممثل Mathieu Kassovitz ..
حينما نتكلم عن هذا الممثل فإننا سنتكلم عن أحد المخرجين البارزين في فرنسا ( ليس من ناحية الأفضلية ) .. حيث قدم عدة أفلام نـال عليها بعضا من الجـوائز العـالمية والإعجـاب الجماهيري ..
ويأتي على رأسها أحد أفضل الأفلام الفرنسية في التسعينـات وهو Hate .. حيث حصل من خلاله على جائزة أفضل مخرج في مهرجـان كان السينمـائي ..
رغم أن عمره حينهـا لم يكن يبلغ التـاسعة والعشرين .. بل وكانت تلك أولى محاولاته في الإخراج !!!
وقد أخرج في عام 2000 الفلم الفرنسي الشهير جدا The Crimson Rivers والذي نجاحا جماهيريا كبيرا جدا وليس في فرنسـا فحسب ..
قدم ماثيو في فلم إيملي أداء رائعا .. هيأته في ذلك ملامحه التي تنم عن البلاهة والطيبة – نوعا ما – .. واستطاع أن يؤدي شخصية نينو بجمال رائع ..
يقول النـاقد الكبير روجر إيبرت ( بتصرف) :
( It is so hard to make a nimble, charming comedy. So hard to get the tone right and find actors who embody charm instead of impersonating it.
"Amelie" takes those chances, and gets away with them )
( من الصعب جدا أن تصنع كوميديا ساحرة وذكية .. ومن الصعب أيضا فهم الاتجاه العام للفلم بشكل صحيح وإيجاد الممثلين الذين يستطيعون تجسيد الشخصية بشكل ساحر بدلا من تمثيلها فقط ..
يأخذ إيملي كل تلك الفرص .. ليبدع فيها )
تحيــــــــــــــــــــــــــاتي
حينما تُصوَّر الحيـاة على شكل لوحة تشع منها الألوان الزاهية .. وتبرق من خلالها الملامح المرسومة بدقة متناهية ..
لتستشعر من خلالها أرق الصور الحالمة وأعذب الخيالات الساحرة .. بعيدا عن تفسيرات المنطق المبتذلة ومنعطفات العمق النفسيِّ القـاتمة ..
فتحس ببساطة الحياة وشفافيتها وتحاول أن تندمج مع الصور الخلابة التي رسمت داخل هذه اللوحة .. لتجد سؤالا جوهريا يبرق من بين ثناياها :
هل الحيـاة في ذاتها معقدة ؟؟ .. وهل هي مليئة بالمفارقات التي يستعصي على العقل فهمهـا وترجمتها ترجمة منطقية ؟؟ ..
ربما يؤيد كثير من النـاس تلك النظرة .. إلا أنني أخالفها مخالفة تامة وقطعية ..
فالغموض والتعقيد الذي يكتنف الحياة إنما هو صادر من النفس البشرية والتي تضفي بدورها على الحياة جوا من الضبابية والسوداوية المقيتة ..
وتلقي عليهـا كمـًّا هائلا من الرؤى اللامنطقية التي تفرضها النفسيـات المختلفة والمليئة بالمفارقات والتعقيدات ..
إذن ما الرابط من كل تلك الافتراضات الفلسفية هاهنا ؟؟
الرابط هو أن فلم إيملي بكل دقة ووضوح ... يمثل ترجمة تصويريـة لفلسفـة البسـاطة هذه .. لتجد أنها تتجلى في كل جزء من أجزائه وفي أدق تفاصيله ..
فإيملي هي طفلة كسائر الأطفال .. إلا أن طفولتها تميزت بكمٍّ وافر من الغرابة التي حولتها إلى شخص – رغم رقته وعذوبته – إلا انه لا يتميز بأي إحساس تجاه أي شيء ..
فنجد أنها قد ولدت لأبوين يتميز كلاهما بغرابة الأطوار إلى حد ربما يصل إلى الشذوذ .. مما جعلها ترث عنهما شيئا من غرابتهما فيما بعد ..
فأبوها طبيب متبلد الإحساس .. لا يحتضنها ولا يعاملها كطفلة تبحث عن الحنان وتحلم بأب يقدم لها حبه ممزوجا بقربه منها واحتضانه لها واللعب معها ..
وبناء على ذلك .. نجد أن ضربات قلبها تتسارع بشكل مخيف حينما يقترب منها أبوها ليكشف عليها اطمئنانا منه على صحتها .. مما يجعله يوقن بأن لديها خللا في القلب ..
مما يؤدي لمنعها من الذهاب للمدرسة واللعب خارج المنزل ومخالطة الأطفال .. ظنا منه أن ذلك في سبيل حمايتها من تفاقم معضلتها المرضية ..
لتتولى أمها تدريسها في المنزل .. حيث انها تعمل مدرسة مما أكسبها شيئا من الخبرة في تعليم ابنتها بعيدا عن جدران المدرسة ..
وذات يوم ذهبت الأم مع ابنتها إيملي إلى الكنيسة .. وما إن خرجتا حتى خرت من فوقهما جثة سائحة منتحرة .. لتسقط مباشرة فوق الأم مما أدى إلى حتفها على الفور !!
لتنقلب حياة الأب رأسا على عقب .. ويصبح أكثر انطواء وغرابة من ذي قبل ..
اما إيملي .. فقد كانت تلك الحادثة الغريبة زيادة في رصيدها المليء بالمفارقات العجيبة التي تجبرها يوما بعد يوم على الانطواء أكثر فأكثر ..
فنجد أنها تكبر ويكبر معها كل أحاسيس الوحدة والتبلد في المشاعر والانعزال عن مخالطة الناس والغوص في خضم الحياة ..
لتلجـأ بذلك إلى عالم آخر هو عالم الخيـال والأحلام والتـأمل .. لتصنع صورا ساحرة كثيرة وتركبهـا على حيـاتها لعلها أن تمنحها شعورا بالسعادة والاختلاط ..
فنجد أنها غير معقدة أبدا .. ولم تخالطها الحياة ولم تتـأثر بالمفارقات النفسية والشعورية التي ستخلف فيها كما هائلا من التعقيدات ..
لقد كانت بسيطة في رؤيتها .. وبسيطة في شعورها .. وبسيطة في كل أمورها ..
وهنا تبرز فلسفة البساطة التي قام على أساسها الفلم ..
فعندما كانت إيملي خالية تماما من التعقيدات النفسية العميقة .. نجد في المقابل أن الحياة كانت بسيطة من حولها وسهلة الفهم من خلال رؤيتها ..
إلا أنها ورغم ذلك تجدها غامضة لعدم معرفتها بها أو رغبتها في التقرب منها وفهمها ..
لنجد أن الفلم يحاول أن يرسم – بدقة وشفافية – فلسفة البساطة والتي تقوم على أن الحياة ليست معقدة .. وإنما نحن من يجعلها معقدة بأفعالنا التي تنعطف من خلالها نفسيتنا ..
وتتشكل رؤيتنا تبعا لما تخلفه تلك الأفعال من تـأثيرات نفسية وشعورية ..
فالحياة من خلال رؤيته إنما هي مجرد لوحة .. نستطيع أن نرسم فيها ما نشاء وأن نشكلها بشتى الألوان التي نرغبها .. إذا استطعنا فقط أن نتخلص من شوائب أفعالنا ..
هو لن يناقش احتمالية التكيف مع الحيـاة بدون التــأثر بما يحدث فيها .. وإنما يصور لنا تلك الاحتمالية بعد حدوثها وكيف أن الحياة حينها تصبح في منتهى البساطة ..
إلا أن إيملي – والتي أصبحت تعمل نادلة في أحد المطاعم – وبعد كل تلك المفارقات العجيبة التي تميزت بها طفولتها الغريبة .. إصطدمت بحادثة غيرت مجرى حياتها وجعلتها تفكر في الدخول في معمعة الحياة ..
فقد استطاعت – ومن خلال صندوق وجدته في شقتها يعود لطفـلٍ كان من الذين سكنوا قبلها – أن تغير مجرى حياته بعد أن تُرجع هذا الصندوق إليه ..
لتلاحظ كيف أنها وبفعلٍ في منتهى البسـاطة والسهولة قد قلبـت حياة هذا الشخص من رجل يائس محبط إلى رجل ينبض بالحيـاة ..
حرك هذا الشيء وجدانها ومشاعرها التي لم تتحرك منذ طفولتها .. مما جعلها تؤمن بأن الاختلاط في الحيـاة هو أمر رائع إذا كان على طريقتها فقط ..
فمضت مندفعة تحاول أن تغير حيــاة كل شخص من حولها نحو الأفضل .. وأن تبعث الأمل في كل من فقد الأمل عبر وسائل تشبه الخيال الذي كانت تداعبه طوال حيـاتها الماضية ..
فحاولت مسـاعدة أبيها الذي غرق في أحزانه منذ وفاة زوجته عبر إرغامه على السفر لعله أن يسلو قليلا بحيلةٍ – رغم غبائها – إلا أن الفلم يطرحها بطريقةٍ كوميديةٍ عبثيـَّةٍ رائعة ..
كالتي نراها محتشمةً نوعا ما في Forrest Gumb .. ونجدها موغلة في العبثية في أفلام أخرى مثل Dr . Strangelove وكذلك Airplane وغيرهما ..
كما حاولت مساعدة جارتها التي خدعها زوجها بسرقة مالهما وهربه مع عشيقته إلى جاءها خبر وفاته في حادث سيارة .. مما جعلها تفقد أي معنى للحياة وأي ثقة بالسعادة ..
وكذلك مع زميلتها في العمل والتي تشكو من الوسوسة الشديدة عندما قربت بينها وبين رجل شكاك يأتي كل يوم ليسجل كل تحركات صديقته السابقة ..
كما أنها تعرفت على جارها العجوز والذي يشكو من هشاشةٍ في العظام مما جعله حبيس غرفته لمدة تفوق العشرين سنة ..
فنجده مولعا بالرسم إلا أنه لا يرسم – ولمدة عشرين عـاما – سوى لوحة واحدة وهي لوحة رونوار الشهيرة ( غذاء المجذفين ) .. فيكتشف – على حد قوله – في كل مرة شيئا جديدا تتضمنه اللوحة ..
وبين هذا وذاك .. تمر إيملي ذات يوم عن طريق الصدفة بشاب غريب الأطوار يدعى نينـو .. لنراه يجمع الصور الممزقة تحت آلة التصوير المتنقلة !! ..
ويضمها في ألبوم يحوي العشرات من الصور الملصقة جرَّاء تمزيقها .. والتي تحتوي على صور أناس يجهلهم تماما وتتباين تعابيرهم ..
وذات يوم يسقط منه ذلك الألبوم لتأخذه إيملي ومن بعدها نجدها تمارس معه ألاعيبا وحيلا في إيصال هذا الألبوم له .. ففي كل مرة تحاول فيه إعطاءه إياه تجد شيئا يردها عن ذلك ..
وأصبحت تحس تجاهه – رغم عدم معرفتها الدقيقة به – بمشـاعرٍ متوقدة لم تعهدها من قبل .. إلى أن تمضي قصة الفلم لغايتها التي لن أحرقها عليكم ..
من أجمل الإسقاطات التي شاهدتها في الأفلام بشكل عام .. وإحدى أكثر الإسقاطات التي تصب في فكرة الفلم الأساسية ذكاء ودهاء ..
هي في تلك الصورة التي كانت في الألبوم .. والتي تعود لرجلٍ جامد الملامح كان يصور نفسه في كل آلات التصوير التي تتوزع في أرجاء المدينة ..
فكانت إيملي و نينو يريـان فيه كمية من الغموض الذي يستعصي عليهم فهمه .. وسرا عظيما يحـاول كلاهما الإجابة عليه ووضع الاحتمالات التي يمكن أن تكون إجابة لسؤالهما ..
فنجد أن الفلم يطرح تلك النقطة وكأنها جزء من الغموض والتعقيد الذي نجده في كل جزء من أجزاء الحيـاة .. وأنها من تلك الأحداث التي يستعصي فهمها لغرابتها الشديدة ..
ثم ينفي الفلم تلك الفكرة عبر إسقاطةٍ ذكية بل وعبقريـة .. وهي أن هذا الرجل الذي يُفترض أن يكون سرا كبيرا ليس إلا الميكانيكي المكلف بمتابعة تلك الآلات !!!
ولذلك فإنه يضطر لتصوير نفسه ليتـأكد من سلامة الآلة .. وهذا هو سبب جمود ملامحه وبرودتها وخلوُّها من أي تعبير .. وطبيعيٌّ أنه سيمزق تلك الصور التي لا داعي لها ..
لقد عبَّر الفلم عن فكرته عبر تلك الإسقاطة العبقرية وبأسلوب لا يخلو من الجمـال والسحر الممزوج بالكوميديـا .. ليختصر مسافات شاسعة في إيصال الفكرة بالشكل المطلوب ..
حينما تشـاهد فلما عميقا مثل أماديوس أو الثور الهائج .. تلك الأفلام التي تحتوي بين ثناياها على مقدار من العمق الشديد والغوص في أعماق النفس البشرية ..
فإنك تحتاج في مشـاهدتها إلى عمقٍ في التفكير ودقة مـاهرة في الرؤية والتحليل ومحاولة الفهم الصحيح للمعالجة المطروحة ..
مما يجعلهـا دسمة وذات صعوبة تحتِّم عليك السير وراء جميع خطوطها وعدم إهمال أي جزء منها لأنه يمثل منعطفا في بناء الشخصية ومعالجته لها ..
أما في إيملي .. فإنك على النقيض ستحتاج إلى أن ترخي أفكارك وتطلق العنـان لمشاعرك وعقلك لتتعـامل مع مجريـات الفلم بكل خفة وشفافية و ( بسـاطة ) ..
وبعيدا عن قيـود العمق الفكري والإسقـاطات المنطقية .. مما يجعله تجربة روحية ساحرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ..
أبرز السمات التي جعلت من فلم إيملي رائعا وجميلا هي تلك الروح التي تقف خلف كل أدوات الفلم : الكوميديا .. الرومانسية .. الدراما ..
ويقول النـــاقد ستيفن فري :
There's real magic in this movie — and enough energy to power a whole city on a dark and gloomy night ). )
( هنـالك سحر حقيقي في هذا الفلم .. وطـاقة كافية لإضاءة أية مدينة تكللت بليـل مظلم وكئيب ) ..
فما يعرضه هذا الفلم من سحر وروح مرحة لا يمكنك تجاهها سوى أن تتراقص معها ومع صورها الحقيقيـة المتحركة ..
وأن تحس من خلالها بالطعم الحقيقي للحيـاة وأن تتذوق بسـاطتها وان تتعايش مع الأمل الذي تستشفـه في كل جزء من أجزاء الفلم بدون استثنـاء .
الجوائز :
استطاع فلم Amélie ان يحدث ضجة كبيرة عندما عرض لما يتميز به من تفرد في أسلوبه الغريب .. مما هيأ له المنافسة الشديدة في كثير من المهرجانات السينمائية الكبيرة ..
إلا أن عدم دخوله في قائمة الترشيح الرئيسي في مهرجان كان ودخوله بدلا عن ذلك في قائمة (Not serious ) كان مفاجئا وغريبا في نفس الوقت ..
أما في الأوسكار .. فمن الصعب أن يترشح فلم غير ناطق بالإنجليزية لجوائز الأوسكار .. إلا أن هنالك استثناءات كثيرة تُخضع اللجنة لقبول ترشيح بعض الأفلام الأجنبية بل وربما فوزها ..
كما راينا في كثير من أفلام الأسطورة السويدية Ingmar Bergman .. وكذلك الساحر الإيطالي Federico Fellini .. وأسطورة اليابان الإعجازية Akira Kurosawa ..
وكان إيملي جزء من ذلك الاستثناء .. فترشح لخمس جوائز وهي :
1 – أفضل أزياء ( لا أعلم إن كانت هذه هي الترجمة الصحيحة ) 2 – أفضل تصوير 3 – أفضل فلم بلغة أجنبيــة 4 – أفضل صوت 5 – أفضل سيناريو ..
إلا أنه وللأسف خسرها .. رغم أنني لا زلت أرى بأحقيته في أفضل سيناريو .. ولأنني لم أشاهد فلم Gosford Park الفائز بأفضل سيناريو .. فلن أستعجل في الحكم حتى يتسنى لي مشاهدته ..
علامة الاستفهام الكبرى هي عدم ترشيح المبدعة Audrey Tautou .. رغم الثنـاء النقدي والجماهيري الكبير الذي تلقته جرَّاء دورها ..
الطـــــــــــاقم :
المخرج Jean-Pierre Jeunet ..
حينما نتكلم عن هذا المخرج فإننا نتكلم عن أحد أفضل المخرجين الفرنسيين في الوقت الحـالي رغم قلة أعماله لدرجة كبيرة جدا ..
فلَم يخرج في التسعينـات كلها سوى ثلاثة أفلام هي Delicatessen وكذلك The City of Lost Children وآخر أفلام السلسلة الشهيرة Alien: Resurrection ..
وقد تقاسم الإخراج في الفلمين الأول والثاني مع المخرج الآخر Marc Caro ..
إلا أنه ومع بداية الألفية فاجأ الجميع بأجمل أفلامه وأشدها شهرة Amélie ..
وأتبعه في العام 2004 بفلمه الحربي والرائع جدا A Very Long Engagement .. والذي رغم فشله – نوعا ما – في رسم صورة دقيقة عن الحرب بمعناها المعهود ..
إلا أنه استطاع أن يخلق من خلالها قصة حب رائعة ومغلفة بسحر لا تجده بالطبع إلا في الأفلام الفرنسية والإيطاليــة ربما ..
ورغم قلة أفلامه .. إلا أنني أحس ومن خلال ما شاهدت له أنه يركز في إخراجه كثيرا على الشخصيـات ومحاولة إشباعها بالملامح المرسومة لها .. وهو ما نستشعره في فلمه Amélie ..
حيث استطـاع أن يصنع لكل شخصيـة أسلوبها وأن يزخرفها بالصور والطبائع التي تفرض بها نفسها على المشـاهد وكأنها ليست مجرد أدور مساعده .. مما يرفع من جودة الطاقم ككل ..
إلا أنه وفي المقابل يفتقر للعمق في معالجته وهو أمر واضح في فلمه A Very Long Engagement .. حيث أنك لا تكاد تعيب عليه سوى معالجته الباردة للحرب وللشخصيـات المتعلقة بها .
استطاع Jean-Pierre Jeunet أن يصنع في إيملي الكثير من الابتكار في أسلوبه وأن يملؤه بالصور الخيالية الإبداعية المدهشة ..
فنجد أن أسلوبه في السرد متفرد ببساطته في تصوير الأحداث بقالب هو أقرب إلى طابع الخيال .. وأن يملأه بجوٍّ من الكوميديا العبثية التي تمتزج مع الأحداث امتزاجا رائعا وساحرا ..
وحينما نذكر المخرج Jean-Pierre Jeunet فإننا سنضطر لذكر الكـاتب الرائع Guillaume Laurant .. والذي تعاون مع جين في عدة أفلام وهي The City of Lost Children
بالتعـاون مع الكاتب الآخر Gilles Adrien .. وكذلك في الفلم الحربي الرومانسي A Very Long Engagement .. و كذلك في فلمنا هذا ..
استطاع Guillaume Laurant بالتعاون مع Jean-Pierre في كتابة أحد أجمل السيناريوهات منذ بداية الألفية وحتى الآن ..
وأحد أكثر سيناريوهات الأفلام الكوميدية الرومانسية بهجة وروعة وسحرا .. فقد استطاعا أن يخلقا أسلوبا مختلفا ومميزا جعل من فلمهما أحد التحف الفنية التي تشبه اللوحات التشكيلية ..
واستحقا عليه جميع الجوائز التي نالوها والترشيحات التي خسروها .. وأتطلع لمزيد من التعاون المثمر بينهما في المستقبل ..
الممثلة Audrey Tautou ..
يقـول النـاقد بيتر هاول ( بتصرف) :
( The sunniest face and the greatest acclaim belong to Audrey Tautou, who is new to these shores , she's like a young Audrey Hepburn, making us laugh and feel empathy without feeling manipulated ).
( إن الوجه الأكثر إشراقا والمديح الأعظم يعود إلى Audrey Tautou .. والتي هي في أول مسيرتها الفنية .. فهي مثل أودري هيبورن في شبابهــا .. حيث تضحكنا وتحسسنا بالتعـاطف معها بدون الاحتيال علينـا )
فملامحها الطفوليـة البريئة .. ونظراتها الساحرة المحببة .. تجبرك على الاستمتـاع بتمثيلها الذي يحتوي على كم هـائل من البراءة والخفـة المدهشة و الطبيعيـة ..
حيث يمثل اختيارها لهذا الدور أحد أهم عوامل النجـاح في هذا الفلم .. وكأن الشخصيـة قد فصِّلت لها بكل حذافيرها .. ولو وقع الاختيار على غيرها لكان لنــا كلام آخر ...
فليس بقليل أن نرى كمية من الأدوار النسائية الأسطورية في جانب التمثيل والإتقـان الشديد للشخصية في كل جزء منها ..
ولكن القليل هو أن يجتمع الإتقـان في التمثيــل مع العـذوبة والسحر الذي يفرض عليك فرضا أن تذوب معه وأن تنبهر بسلاستـه العجيبة وعذوبتـه الفـاتنة ..
فقد استطاعت Audrey Tautou أن تجمع بين الاثنين في قالب سحري وخيالي قد لا ينـافسه في ذلك سوى أداء الأسطورة البلجيكية Audrey Hepburn في الفلم الخـالد Roman Holiday
وكما قلت سابقا أن عدم ترشيحها في الأوسكار كان صدمة موجعة بالنسبة لعشاق هذا الفلم الذين كانوا ينظرون إليه كأحد أجمل الأدوار النسائية وأكثرها رقة وعذوبة ..
الممثل Mathieu Kassovitz ..
حينما نتكلم عن هذا الممثل فإننا سنتكلم عن أحد المخرجين البارزين في فرنسا ( ليس من ناحية الأفضلية ) .. حيث قدم عدة أفلام نـال عليها بعضا من الجـوائز العـالمية والإعجـاب الجماهيري ..
ويأتي على رأسها أحد أفضل الأفلام الفرنسية في التسعينـات وهو Hate .. حيث حصل من خلاله على جائزة أفضل مخرج في مهرجـان كان السينمـائي ..
رغم أن عمره حينهـا لم يكن يبلغ التـاسعة والعشرين .. بل وكانت تلك أولى محاولاته في الإخراج !!!
وقد أخرج في عام 2000 الفلم الفرنسي الشهير جدا The Crimson Rivers والذي نجاحا جماهيريا كبيرا جدا وليس في فرنسـا فحسب ..
قدم ماثيو في فلم إيملي أداء رائعا .. هيأته في ذلك ملامحه التي تنم عن البلاهة والطيبة – نوعا ما – .. واستطاع أن يؤدي شخصية نينو بجمال رائع ..
يقول النـاقد الكبير روجر إيبرت ( بتصرف) :
( It is so hard to make a nimble, charming comedy. So hard to get the tone right and find actors who embody charm instead of impersonating it.
"Amelie" takes those chances, and gets away with them )
( من الصعب جدا أن تصنع كوميديا ساحرة وذكية .. ومن الصعب أيضا فهم الاتجاه العام للفلم بشكل صحيح وإيجاد الممثلين الذين يستطيعون تجسيد الشخصية بشكل ساحر بدلا من تمثيلها فقط ..
يأخذ إيملي كل تلك الفرص .. ليبدع فيها )
تحيــــــــــــــــــــــــــاتي