الرســـــام
05-04-2006, 04:11 AM
الأخوة الكرام في منتدى الديفيدي العربي .. السلام عليكم
هذه بالإضافة للمراجعة الأخرى لفيلم ( إيملي ) همـا أولى مشاركاتي في هذا المنتدى وأتمنى أن تكون فاتحة خير ..
بالنسبة للمراجعتيـن .. فإنني كنت قد نشرتهما في أحد المنتديات السينمائية الشهيرة .. ومن باب التعاون والتعاضد والاستفادة من الخبرات في سبيل رفع المستوى الفني والنقدي في المنتديات المعنية بالسينما في الوطن العربي والتي وللأسف يـُعد الجيـد منها على الأصابع .. فإنني أضع بين يديكم هاتان المراجعتان المتواضعتان .
بقلـــم : أحمــد الحقيــل
Before Sunrise (http://www.imdb.com/title/tt0112471/)1995 ................................. Before Sunset (http://www.imdb.com/title/tt0381681/)2004
http://www.l22l.com/l22l-up-1/87b7d5ebe8.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/ac9517f3f5.jpg
في اعتقادي .. أن المشكلة الحقيقيـة التي أصبحـت تشكو منهـا السينما في الوقت الحالي والأزمة المؤرقـة التي صـارت ملازمـة لها لا تكمـن في انقراض الأفكار أو المواضيـع الجديـدة أو تكرارهـا .. لأن الموضوع الواحد حينمـا يتناولــه عشرة مخرجين – على سبيل المثال – فإن كل مخرج يبلوره على الرؤيـة التي يــودُّ إيصالهـا ويكيـِّـفـه على الشكل الذي يريـد أن يكون عليـه .. ولكن المشكلة الحقيقيـة – من خلال وجهـة نظري – تكمـن في انعدام الأساليب التي تـُصاغ بهـا تلك الموضـوعات والأفكار وتكرارهـا الدائـم .. فعندمـا نشاهد فيلمـا مثل ( جبل بروكبــاك ) فإننا ننبهر بحجم الإبداع الذي تضمَّـنـه والصياغة المبهرة للسينـاريو الرائـع .. إلا أنه وفي الأخير نجد أننا نقف أمام كلمة واحدة هي " لا جديــد " .. فالأسلوب هو نفس الأسلوب الاعتيادي الذي ينتهجـه أغلب المخرجين في معالجـة الأفلام الدرامية الحساسة بغض النظر عن مدى الإبداع والإتقان الذي احتواه فيلم ( جبل بروكباك ) في هذا الأسلوب أو المعالجة .. مما يجعلنـا نقف مشدوهين أمام أفلام مثل ( لب الخيـال ) و ( أميلي ) و ( التذكـار ) و ( مدينة الخطيئـة ) و ( نادي القتال ) وغيرها .. ليس من حجم الإبداع الفني الذي تحتويـه فقط .. بل ومن روعة الأسلوب الذي انتهجتـه في صياغتهـا للسيناريو والابتكـار الذي احتوتـه في بنائهـا الأساسي للفيلــم .. والتي استطاعت من خلاله أن تتميز على كثير من الأفلام التي قـد تفوقهـا في الجانب الفني ..
ومثل هذه الابتكارات الأسلوبيـة – سواء في السيناريو أو الإخراج – كفيلـة بأن تمنح أبعــادا أخرى للفيلـم قـد لا تجدهـا في غيرهـا من الأفلام الاعتيـادية في أسلوبهـا .. – فرغم عدم تميزها فنيـا في بعض الأحيان – إلا أنها تمنحك زاويـة جديـدة ومختلفـة عن غيرهـا وتستطيـع من خلالهـا أن توصل أفكارها بأسلوب يتميز بطرحـه المختلف وتسلسلـه المُـبتكـر .. مما يجعلهـا صعبـة النسيـان وخالــدة لا يمكن أن يزول تأثيرها بعد مشاهدتك لها مباشرة .. ولو لم يكن منها سوى هذه الميزة المتفردة لاستحقـت أن ترتفع بهـا لتكون في مصاف الروائـع ..
وعندما نفتش في هذه النوعية من الأفلام فإن فيلمـَي Before Sunrise وجزؤه الثـاني Before Sunset للمخرج الرائـع Richard Linklater سيدخلان حتمـا ضمن هذه القـائمـة .. وجزء من هذا الابتكـار واضح جدا في قصـة الفيلم الأصلية .. حيث نجد أن الفيلم في جزءه الأول عبارة عن رحلة يقضيهـا شاب أمريكي يـُدعى جيس (Ethan Hawke ) وشابة فرنسية اسمها سيليـن (Julie Delpy ) في ضواحي فيينـا ( العاصمة السويسرية ) لمدة يـوم واحد .. ليجدا أنهما قد انجذبـا لبعضهما مما يجعلهما يقرران أن يلتقيـا في ذات المكان بعـد ستة أشهر بالضبط .. هذا بالنسبة للجزء الأول والذي لا أجـد أبلغ من جملة الناقد الكبير روجر إيبرت في وصفه له والذي ينطبق تلقائيـا على الجزء الثاني المشابه له عندمـا قال :
( ليس هناك جدول أعمال مخفي في هذا الفلم .. لَنْ يكون هناك خيانات .. ميلودراما .. عنف مُزيَّف .. أَو خيالات جنسية راقصة .. هي في الغالب حوارات.. بينما يَـتـِيهونَ في مدينةَ فينا مِنْ منتصفِ العصر حتى الفجرِ التاليِ .. لا أحديُزعجُهم )
الجزء الثاني تحدث أحداثه بعـد عشر سنوات من لقائهما هذا .. وبالطبع فإن من الواضح أنهما لم يلتزما بالوعد الذي قطعاه على نفسيهما بأن يجتمعا في فيينا بعد ستة أشهر من لقائهما الأول .. ويأتي سبب اجتماعهما مرة أخرى أن جيس قد كتب كتابـا يوثق فيـه بشكلٍ روائي و قصصي ذلك اللقاء الذي حدث بينهما .. ويأتي إلى باريس ضمن جولة يقوم بها في أنحاء العالم لأجل الدعاية لهذا الكتاب مما يجعلهما يلتقيان من جديد .. ومن المفارقات الجميلة أن المدة الزمنية للفيلم هي بالضبط المدة الزمنية التي قضاها كل من جيس وسيلين في الفيلم قبل نهايتـه .. لا تزود ولا تنقص !!
الابتكـار الأسلوبي في هاذين الفلميـن متواجد وظاهر في السيناريو والإخراج على حد سواء .. فلو قرأت السيناريو مجرَّدا أو مكتوبا على ورق لوجدتـه مجرد حواراتٍ مطوَّلـةٍ تــدور بين شخصين اثنين فقط وفي أماكن أو مناطـق محددة .. مما سيوحي لك بالبرود الشديـد الذي سيتضمنـه الفيلم عند خروجـه .. إلا أن دور المخرج يبرز هاهنـا في عبقريـةِ نقل هذا السيناريو الذي يبدو لأول وهلة باردا وخاليا من القِـيـَـم الفنيـة السينمائيـة المعروفة إلى فيلم سينمائي .. وكميـة الإبداع في هذا الأمر راجـع إلى صعوبـة نقل هذا السيناريو في المقام الأول لأنه ذو نسق وبنـاء وتسلسل في الأحداث مختلف تمـاما عن غيره من الأفلام .. مما يجعل المخرج مجبرا حينهـا لمحاولـة خلق أسلوب مغاير ولا يلتزم بالبنـاء والتسلسل المعهود في أكثر الأفلام الرومانسية الدراميـة التي تعتمـد في شكلها العام على بناءٍ واضح وأحداث متتابعـة تأتي وفق تسلسل متناسق سواء كانت متتابعة الزمن أو مبنية على الدمج بين مشاهد الفلاش باك والحاضر .. وهذا التسلسل أو البناء ليس موجودا في سيناريو فيلمـَي Before Sunrise أو Before Sunset .. وحينهـا سنعلم مدى الذكـاء و العقلية الفـذة التي تميز بهـا كتاب السيناريو وكذلك مخرج الفلمـَين في الدمج بين السيناريو الغريب والمتميز في طرحـه و الغارق في الشفافية وبين تطويعـه أو نقله إلى فيلـم سينمائي متجرد من أساسيـات الأسلوب السردي المعهود ..
بالنسبـة للسيناريو فقد كتب الجزء الأول منـه Richard Linklater و Kim Krizan .. وفي الجزء الثـاني شاركهمـا كل من الممثل Ethan Hawke والممثلـة Julie Delpy واللذان قاما بدور البطولة في كلا الجزأيـن .. السيناريو أقل ما يوصف به أنه في غايــة التميز والغرابـة .. فهو يعتمـد – خاصة في الجزء الأول – على الحوارات بشكل أساسي .. حتى أن الفيلم في بعض أحيانه يبدو بعيـدا عن موضوعـه وتائهـا قليلا عن وجهتـه أو نظرته التي يريـد إيصالها .. وفي الجزء الثاني نجد أن كتاب السيناريو قد اجتـنـبوا هذه الإشكالية لنرى أن السيناريو يعتمد على الحوارات التي تصـب من قريب أو من بعيـد في صلب المعالجة الدرامية للشخصيتين ولقائهما السابق ومن ثم افتراقهما وحتى لقائهما الآن .. فنجد فيه لمسة درامية عميقة وواضحة بشكل مميز افتقدناهـا كثيرا في الجزء الأول الذي كان يميل إلى تدعيم الجانب الرومانسي على المعالجـة الدراميـة بشكل كبير أخلَّ من خلال وجهة نظري بالفيلم على وجـه العموم ..
بالنسبة للحوارات فهي تمثل الخامة الأساسية للفيلـم في جزئيه الاثنين .. فنجده في الجزء الأول يحلل من خلال تلك الحـوارات الفيـاضة هاتان الشخصيتـان المتمثلتـان في شـاب أمريكي وشـابة فرنسيـة .. والتي تتمحـور أغلبهــا حول مشــاكل شبــابية ( طبعا وفقـا لمجتمعهـم) ..إلا أنــه يرويهـا ويظهرهـا بمظهر مزدوج بأفكـار المراهقة التي يغلب عليهـا التعجل في اتخـاذ القرارات والافتقـار لمقومـات الفهم الصحيح .. وكذلك بمحاولـة إظهار الجانب النقدي لمشاكل العالم والمشاكل الاجتماعية والتي يغلب عليهـا الرؤية المثالية أو الحالمة التي تواكب بالطبـع أعمارهم ..
أما في الجزء الثـاني فتغلب عليهـا صفة العمق في النقاش والدقة في اختيار الألفـاظ .. فهي ليسـت على مستوى رفيـع في الجانب الأدبي أو البلاغي إلا أنها وفي المقابل ذات معاني ودلالات رائعـة وجميلة تـتسم بالبسـاطة في الطرح والعمق في المضمون .. وبما أن الفيلمان قائمان في أساسهما على الحوارات فقد كانت مهمة إتقانهما من الأولويات التي وجب على صناع الفلمين مراعاتها ..
http://www.l22l.com/l22l-up-1/7b5cb6aa36.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/c14bca4169.jpg
أما في الإخراج فيقف خلف هذه الرائعـة السينمائيـة الساحرة المخرج الشـاب Richard Linklater .. والذي تـُحسـب له تجارب إخراجية ناجحـة مثل فيلمه The School Of Rook وكذلك فيلم الأنيميشن Waking Life وغيرهـا .. وقـد استطـاع ريتشـارد بموهبتـه الفـذة أن يخلق أسلوبـا في غاية الإبداع وأن يتراقص فيـه حتى أرهقتنــا مشـاهدة رقصــاته الحـالمة .. وتمكـن و بكل جمـالية وإتقــان أن يصبغ أجواء الفيلم بأســلوب مميز وفريــد تتضاءل أمـامه العيـوب والأخطــاء .. سوى قليــل من الثغرات التي يشفعلهـا إبداعه ..
فحينمـا تشاهده فإنك تشـاهد حيـاة أقرب للواقعيـة لشـاب وشـابة في ضواحي فيينــا .. لترى من خلالـه كل نقـاشاتهم و حواراتـهم وكأنهــا حقيقـة لا يشوبهـا تمثيل .. لدرجة تعتقـد فيهـا أنه لا يوجد في كثير من مشــاهده تحرير أو مونتـاج .. بل هو مجرد مشـاهد مصورة على طبيعتهــا ..لدرجـة أن بعض المشـاهد تدور في شوارع وأماكن حقيقية مما يسلب الممثل من التركيز وعدم القدرة على القيام بالدور على أتم وجه و تمتد أحيانا لمدة سبع دقائق كاملة بدون أن تتغير الكاميرا أو أن تتدخل فيه عميلتـا المونتاج أو التحرير رغم التزام الممثلين بالحوار المكتوب في السينـاريو التزاما تامـا !! .. فهو يضـع كاميرتـه – وبكل بساطةٍ ساحرة – بين أيدي الممثلـين لتخترق بسلاستها الحاجز الذي يـُدعى ( التمثيل ) .. وكأنك تشاهد إحدى حلقات تلفزيون الواقع أو تـتـنصَّـت على حيـاةٍ حقيقيةٍ لشخصين .. ممـا يجعل منـه تجربـة إخراجيـة سينمـائية فــذة ومتميزة وفريــدةتتسلل بتلقـائيتهـا وتتدفق بعـذوبتهـا وكأنهـا لوحة رسمـت بريشة الواقـع وبعيدا عن عدسـات السينمـا ..
هذه الصفة التي استطاع Richard Linklater أن يبدعهـا ومن ثم أتقنها في هاذين الفيلمـين تـُرسـخ المقولة التي يعارضها الكثير وخاصة الأدباء منهم بأن السينما – بدقيق العبـارة – فن يتفـوق على الفنون الأخرى ويقارعهـا في مدى الجمالية التي يستطيـع أن يحققهـا رغم التزامـه بالواقعيـة .. والدقــةِ الوصفيـَّـةِ التي بإمكانه أن يصل إليها حينمـا يتناول الحالات الإنسـانية والشعوريـة المختلفـة .. والعمق الذي يستطيـع أن يصـل إليه حينما يناقش أعقد وأدق المشاكل النفسيـة بل وحتى النظريــات الفلسفيـة ..
المفـارقة التي تميز كثيرا بين الجزأين .. ظاهرة في أن الجزء الأول ذو نفس رومانسي خفيف مليء بالحوارات التي تتطرق إلى مواضيـع وأمور بعيـدة جدا عن مستوى الحدث في داخل الفيلم .. وهذا تابـع لطبيعة الشخصيتين حينها وهي شخصية شبابيـة طائشـة وذات تفكير ربما ينطوي على شيء من السطحيـة وعدم التجربـة .. أما في الجزء الثاني فإن الفيلـم يلعب على وتر أدق بكثير من الجزء الأول .. حيث نجده يمزج الرومانسية الرقيقـة والحوارات الرائعـة بمعالجة درامية عميقة وتحليليـة تابعة للشخصيتين في حينها .. حيث أصبح عمرهمـا يفـوق الثلاثين عاما مما يعني أن طريقة تفكيرهم تغيرت بشكل كبير وواضـح .. وتلك الآراء الصبيانيـة قد تحولت وتبدلت بآراء ونظرةٍ تنطوي على الحكمة والتـأني .. مما يجعل من الجزء الثـاني مزيجـا رائـعا ونادرا من الرومانسية الرقيقة والمدعَّـمـة برؤيـة تحليلية عميقة لكلا الشخصيتيـن ومع كل ما استجد فيهمــا .. وهذا يجعلـه من خلال وجهـة نظري يتفوق على الجزء الأول ..
كما أننا نرى أن Richard Linklater أضفى شيئـا من الحذر الواضـح في بداية الجزء الثاني بين جيس وسيلين .. حيث جعل التدرج في الحوار في النصف ساعة الأولى – تقريبـا – وسيلة لإذابة الجليـد ولمحاولة الدخول بعدهـا إلى نقاشات أعمق تتعلق بالمعالجة الدرامية للقصة .. وهو ما ستجده ظاهرا في أواسط الفيلم وخاصة مشهـد العبارة التي تجاذبا فيه الحديث عن علاقتهمـا – ولكن بشكل محتشـم وبدون حِـدَّة– .. ثم نجده يرفع وتيرة النقاش أو المعالجة في بداية نهاية الفيلم وخاصة في مشهد السيارة الذي أستطيع أن أطلق عليه بكل طيبة خاطر أنه مشهد عبقري بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. حيث يتبادلون الاتهامات و الاعترافات الشخصية التي كان يستحيل أن تكون قبل ذلك المشهد .. فالتوقيت الذي اختاره ريتشارد لكل مرحلة من مراحل الحوار والتسلسل في التعمق في العلاقة كان في غاية الدقة .. فلو تقدم مشهد عن مكانه الصحيح أو العكس فسيكون هنالك خلط كبير جدا في هذه التسلسلية التي اعتمدها ريتشارد بكل مهارة ..
ربمـا يكون التمثيل أحد المقومـات التي ساعدت وبشكل كبير في واقعيـة الفيلم وجماليتـه .. فرغم أنه لا يـُوجد سوى شخصيتين اثنتين وهما جيس والتي قام بها الممثل Ethan Hawke وسيلين والتي قامت بأدائها الممثلة الفرنسية الرائعـة Julie Delpy إلا أن الروعة التمثيلية التي قدماها في الجزأين وخاصة الجزء الثاني كانت كفيلـة بأن تشبع الرغبة لدينا بمشاهدة شخصيـات أخرى .. فالواقعية والبساطة والانسيابية كلها مسميـات تصف الدقة التمثيلية التي استطاعوا أن يصلوا إليها إلا أنها لا تغني أبدا عن المشاهدة والاستمتاع بالإبداع التمثيلي الذي تضمنه أداؤهما ..
http://www.l22l.com/l22l-up-1/1d51a8a94a.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/104418f294.jpg
التقييم العــام للجزء الأول : 10 / 8.2
التقييم العــام للجزء الثاني : 10 / 8.6
تحيــــــــــــــــــــــــــــــاتي
هذه بالإضافة للمراجعة الأخرى لفيلم ( إيملي ) همـا أولى مشاركاتي في هذا المنتدى وأتمنى أن تكون فاتحة خير ..
بالنسبة للمراجعتيـن .. فإنني كنت قد نشرتهما في أحد المنتديات السينمائية الشهيرة .. ومن باب التعاون والتعاضد والاستفادة من الخبرات في سبيل رفع المستوى الفني والنقدي في المنتديات المعنية بالسينما في الوطن العربي والتي وللأسف يـُعد الجيـد منها على الأصابع .. فإنني أضع بين يديكم هاتان المراجعتان المتواضعتان .
بقلـــم : أحمــد الحقيــل
Before Sunrise (http://www.imdb.com/title/tt0112471/)1995 ................................. Before Sunset (http://www.imdb.com/title/tt0381681/)2004
http://www.l22l.com/l22l-up-1/87b7d5ebe8.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/ac9517f3f5.jpg
في اعتقادي .. أن المشكلة الحقيقيـة التي أصبحـت تشكو منهـا السينما في الوقت الحالي والأزمة المؤرقـة التي صـارت ملازمـة لها لا تكمـن في انقراض الأفكار أو المواضيـع الجديـدة أو تكرارهـا .. لأن الموضوع الواحد حينمـا يتناولــه عشرة مخرجين – على سبيل المثال – فإن كل مخرج يبلوره على الرؤيـة التي يــودُّ إيصالهـا ويكيـِّـفـه على الشكل الذي يريـد أن يكون عليـه .. ولكن المشكلة الحقيقيـة – من خلال وجهـة نظري – تكمـن في انعدام الأساليب التي تـُصاغ بهـا تلك الموضـوعات والأفكار وتكرارهـا الدائـم .. فعندمـا نشاهد فيلمـا مثل ( جبل بروكبــاك ) فإننا ننبهر بحجم الإبداع الذي تضمَّـنـه والصياغة المبهرة للسينـاريو الرائـع .. إلا أنه وفي الأخير نجد أننا نقف أمام كلمة واحدة هي " لا جديــد " .. فالأسلوب هو نفس الأسلوب الاعتيادي الذي ينتهجـه أغلب المخرجين في معالجـة الأفلام الدرامية الحساسة بغض النظر عن مدى الإبداع والإتقان الذي احتواه فيلم ( جبل بروكباك ) في هذا الأسلوب أو المعالجة .. مما يجعلنـا نقف مشدوهين أمام أفلام مثل ( لب الخيـال ) و ( أميلي ) و ( التذكـار ) و ( مدينة الخطيئـة ) و ( نادي القتال ) وغيرها .. ليس من حجم الإبداع الفني الذي تحتويـه فقط .. بل ومن روعة الأسلوب الذي انتهجتـه في صياغتهـا للسيناريو والابتكـار الذي احتوتـه في بنائهـا الأساسي للفيلــم .. والتي استطاعت من خلاله أن تتميز على كثير من الأفلام التي قـد تفوقهـا في الجانب الفني ..
ومثل هذه الابتكارات الأسلوبيـة – سواء في السيناريو أو الإخراج – كفيلـة بأن تمنح أبعــادا أخرى للفيلـم قـد لا تجدهـا في غيرهـا من الأفلام الاعتيـادية في أسلوبهـا .. – فرغم عدم تميزها فنيـا في بعض الأحيان – إلا أنها تمنحك زاويـة جديـدة ومختلفـة عن غيرهـا وتستطيـع من خلالهـا أن توصل أفكارها بأسلوب يتميز بطرحـه المختلف وتسلسلـه المُـبتكـر .. مما يجعلهـا صعبـة النسيـان وخالــدة لا يمكن أن يزول تأثيرها بعد مشاهدتك لها مباشرة .. ولو لم يكن منها سوى هذه الميزة المتفردة لاستحقـت أن ترتفع بهـا لتكون في مصاف الروائـع ..
وعندما نفتش في هذه النوعية من الأفلام فإن فيلمـَي Before Sunrise وجزؤه الثـاني Before Sunset للمخرج الرائـع Richard Linklater سيدخلان حتمـا ضمن هذه القـائمـة .. وجزء من هذا الابتكـار واضح جدا في قصـة الفيلم الأصلية .. حيث نجد أن الفيلم في جزءه الأول عبارة عن رحلة يقضيهـا شاب أمريكي يـُدعى جيس (Ethan Hawke ) وشابة فرنسية اسمها سيليـن (Julie Delpy ) في ضواحي فيينـا ( العاصمة السويسرية ) لمدة يـوم واحد .. ليجدا أنهما قد انجذبـا لبعضهما مما يجعلهما يقرران أن يلتقيـا في ذات المكان بعـد ستة أشهر بالضبط .. هذا بالنسبة للجزء الأول والذي لا أجـد أبلغ من جملة الناقد الكبير روجر إيبرت في وصفه له والذي ينطبق تلقائيـا على الجزء الثاني المشابه له عندمـا قال :
( ليس هناك جدول أعمال مخفي في هذا الفلم .. لَنْ يكون هناك خيانات .. ميلودراما .. عنف مُزيَّف .. أَو خيالات جنسية راقصة .. هي في الغالب حوارات.. بينما يَـتـِيهونَ في مدينةَ فينا مِنْ منتصفِ العصر حتى الفجرِ التاليِ .. لا أحديُزعجُهم )
الجزء الثاني تحدث أحداثه بعـد عشر سنوات من لقائهما هذا .. وبالطبع فإن من الواضح أنهما لم يلتزما بالوعد الذي قطعاه على نفسيهما بأن يجتمعا في فيينا بعد ستة أشهر من لقائهما الأول .. ويأتي سبب اجتماعهما مرة أخرى أن جيس قد كتب كتابـا يوثق فيـه بشكلٍ روائي و قصصي ذلك اللقاء الذي حدث بينهما .. ويأتي إلى باريس ضمن جولة يقوم بها في أنحاء العالم لأجل الدعاية لهذا الكتاب مما يجعلهما يلتقيان من جديد .. ومن المفارقات الجميلة أن المدة الزمنية للفيلم هي بالضبط المدة الزمنية التي قضاها كل من جيس وسيلين في الفيلم قبل نهايتـه .. لا تزود ولا تنقص !!
الابتكـار الأسلوبي في هاذين الفلميـن متواجد وظاهر في السيناريو والإخراج على حد سواء .. فلو قرأت السيناريو مجرَّدا أو مكتوبا على ورق لوجدتـه مجرد حواراتٍ مطوَّلـةٍ تــدور بين شخصين اثنين فقط وفي أماكن أو مناطـق محددة .. مما سيوحي لك بالبرود الشديـد الذي سيتضمنـه الفيلم عند خروجـه .. إلا أن دور المخرج يبرز هاهنـا في عبقريـةِ نقل هذا السيناريو الذي يبدو لأول وهلة باردا وخاليا من القِـيـَـم الفنيـة السينمائيـة المعروفة إلى فيلم سينمائي .. وكميـة الإبداع في هذا الأمر راجـع إلى صعوبـة نقل هذا السيناريو في المقام الأول لأنه ذو نسق وبنـاء وتسلسل في الأحداث مختلف تمـاما عن غيره من الأفلام .. مما يجعل المخرج مجبرا حينهـا لمحاولـة خلق أسلوب مغاير ولا يلتزم بالبنـاء والتسلسل المعهود في أكثر الأفلام الرومانسية الدراميـة التي تعتمـد في شكلها العام على بناءٍ واضح وأحداث متتابعـة تأتي وفق تسلسل متناسق سواء كانت متتابعة الزمن أو مبنية على الدمج بين مشاهد الفلاش باك والحاضر .. وهذا التسلسل أو البناء ليس موجودا في سيناريو فيلمـَي Before Sunrise أو Before Sunset .. وحينهـا سنعلم مدى الذكـاء و العقلية الفـذة التي تميز بهـا كتاب السيناريو وكذلك مخرج الفلمـَين في الدمج بين السيناريو الغريب والمتميز في طرحـه و الغارق في الشفافية وبين تطويعـه أو نقله إلى فيلـم سينمائي متجرد من أساسيـات الأسلوب السردي المعهود ..
بالنسبـة للسيناريو فقد كتب الجزء الأول منـه Richard Linklater و Kim Krizan .. وفي الجزء الثـاني شاركهمـا كل من الممثل Ethan Hawke والممثلـة Julie Delpy واللذان قاما بدور البطولة في كلا الجزأيـن .. السيناريو أقل ما يوصف به أنه في غايــة التميز والغرابـة .. فهو يعتمـد – خاصة في الجزء الأول – على الحوارات بشكل أساسي .. حتى أن الفيلم في بعض أحيانه يبدو بعيـدا عن موضوعـه وتائهـا قليلا عن وجهتـه أو نظرته التي يريـد إيصالها .. وفي الجزء الثاني نجد أن كتاب السيناريو قد اجتـنـبوا هذه الإشكالية لنرى أن السيناريو يعتمد على الحوارات التي تصـب من قريب أو من بعيـد في صلب المعالجة الدرامية للشخصيتين ولقائهما السابق ومن ثم افتراقهما وحتى لقائهما الآن .. فنجد فيه لمسة درامية عميقة وواضحة بشكل مميز افتقدناهـا كثيرا في الجزء الأول الذي كان يميل إلى تدعيم الجانب الرومانسي على المعالجـة الدراميـة بشكل كبير أخلَّ من خلال وجهة نظري بالفيلم على وجـه العموم ..
بالنسبة للحوارات فهي تمثل الخامة الأساسية للفيلـم في جزئيه الاثنين .. فنجده في الجزء الأول يحلل من خلال تلك الحـوارات الفيـاضة هاتان الشخصيتـان المتمثلتـان في شـاب أمريكي وشـابة فرنسيـة .. والتي تتمحـور أغلبهــا حول مشــاكل شبــابية ( طبعا وفقـا لمجتمعهـم) ..إلا أنــه يرويهـا ويظهرهـا بمظهر مزدوج بأفكـار المراهقة التي يغلب عليهـا التعجل في اتخـاذ القرارات والافتقـار لمقومـات الفهم الصحيح .. وكذلك بمحاولـة إظهار الجانب النقدي لمشاكل العالم والمشاكل الاجتماعية والتي يغلب عليهـا الرؤية المثالية أو الحالمة التي تواكب بالطبـع أعمارهم ..
أما في الجزء الثـاني فتغلب عليهـا صفة العمق في النقاش والدقة في اختيار الألفـاظ .. فهي ليسـت على مستوى رفيـع في الجانب الأدبي أو البلاغي إلا أنها وفي المقابل ذات معاني ودلالات رائعـة وجميلة تـتسم بالبسـاطة في الطرح والعمق في المضمون .. وبما أن الفيلمان قائمان في أساسهما على الحوارات فقد كانت مهمة إتقانهما من الأولويات التي وجب على صناع الفلمين مراعاتها ..
http://www.l22l.com/l22l-up-1/7b5cb6aa36.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/c14bca4169.jpg
أما في الإخراج فيقف خلف هذه الرائعـة السينمائيـة الساحرة المخرج الشـاب Richard Linklater .. والذي تـُحسـب له تجارب إخراجية ناجحـة مثل فيلمه The School Of Rook وكذلك فيلم الأنيميشن Waking Life وغيرهـا .. وقـد استطـاع ريتشـارد بموهبتـه الفـذة أن يخلق أسلوبـا في غاية الإبداع وأن يتراقص فيـه حتى أرهقتنــا مشـاهدة رقصــاته الحـالمة .. وتمكـن و بكل جمـالية وإتقــان أن يصبغ أجواء الفيلم بأســلوب مميز وفريــد تتضاءل أمـامه العيـوب والأخطــاء .. سوى قليــل من الثغرات التي يشفعلهـا إبداعه ..
فحينمـا تشاهده فإنك تشـاهد حيـاة أقرب للواقعيـة لشـاب وشـابة في ضواحي فيينــا .. لترى من خلالـه كل نقـاشاتهم و حواراتـهم وكأنهــا حقيقـة لا يشوبهـا تمثيل .. لدرجة تعتقـد فيهـا أنه لا يوجد في كثير من مشــاهده تحرير أو مونتـاج .. بل هو مجرد مشـاهد مصورة على طبيعتهــا ..لدرجـة أن بعض المشـاهد تدور في شوارع وأماكن حقيقية مما يسلب الممثل من التركيز وعدم القدرة على القيام بالدور على أتم وجه و تمتد أحيانا لمدة سبع دقائق كاملة بدون أن تتغير الكاميرا أو أن تتدخل فيه عميلتـا المونتاج أو التحرير رغم التزام الممثلين بالحوار المكتوب في السينـاريو التزاما تامـا !! .. فهو يضـع كاميرتـه – وبكل بساطةٍ ساحرة – بين أيدي الممثلـين لتخترق بسلاستها الحاجز الذي يـُدعى ( التمثيل ) .. وكأنك تشاهد إحدى حلقات تلفزيون الواقع أو تـتـنصَّـت على حيـاةٍ حقيقيةٍ لشخصين .. ممـا يجعل منـه تجربـة إخراجيـة سينمـائية فــذة ومتميزة وفريــدةتتسلل بتلقـائيتهـا وتتدفق بعـذوبتهـا وكأنهـا لوحة رسمـت بريشة الواقـع وبعيدا عن عدسـات السينمـا ..
هذه الصفة التي استطاع Richard Linklater أن يبدعهـا ومن ثم أتقنها في هاذين الفيلمـين تـُرسـخ المقولة التي يعارضها الكثير وخاصة الأدباء منهم بأن السينما – بدقيق العبـارة – فن يتفـوق على الفنون الأخرى ويقارعهـا في مدى الجمالية التي يستطيـع أن يحققهـا رغم التزامـه بالواقعيـة .. والدقــةِ الوصفيـَّـةِ التي بإمكانه أن يصل إليها حينمـا يتناول الحالات الإنسـانية والشعوريـة المختلفـة .. والعمق الذي يستطيـع أن يصـل إليه حينما يناقش أعقد وأدق المشاكل النفسيـة بل وحتى النظريــات الفلسفيـة ..
المفـارقة التي تميز كثيرا بين الجزأين .. ظاهرة في أن الجزء الأول ذو نفس رومانسي خفيف مليء بالحوارات التي تتطرق إلى مواضيـع وأمور بعيـدة جدا عن مستوى الحدث في داخل الفيلم .. وهذا تابـع لطبيعة الشخصيتين حينها وهي شخصية شبابيـة طائشـة وذات تفكير ربما ينطوي على شيء من السطحيـة وعدم التجربـة .. أما في الجزء الثاني فإن الفيلـم يلعب على وتر أدق بكثير من الجزء الأول .. حيث نجده يمزج الرومانسية الرقيقـة والحوارات الرائعـة بمعالجة درامية عميقة وتحليليـة تابعة للشخصيتين في حينها .. حيث أصبح عمرهمـا يفـوق الثلاثين عاما مما يعني أن طريقة تفكيرهم تغيرت بشكل كبير وواضـح .. وتلك الآراء الصبيانيـة قد تحولت وتبدلت بآراء ونظرةٍ تنطوي على الحكمة والتـأني .. مما يجعل من الجزء الثـاني مزيجـا رائـعا ونادرا من الرومانسية الرقيقة والمدعَّـمـة برؤيـة تحليلية عميقة لكلا الشخصيتيـن ومع كل ما استجد فيهمــا .. وهذا يجعلـه من خلال وجهـة نظري يتفوق على الجزء الأول ..
كما أننا نرى أن Richard Linklater أضفى شيئـا من الحذر الواضـح في بداية الجزء الثاني بين جيس وسيلين .. حيث جعل التدرج في الحوار في النصف ساعة الأولى – تقريبـا – وسيلة لإذابة الجليـد ولمحاولة الدخول بعدهـا إلى نقاشات أعمق تتعلق بالمعالجة الدرامية للقصة .. وهو ما ستجده ظاهرا في أواسط الفيلم وخاصة مشهـد العبارة التي تجاذبا فيه الحديث عن علاقتهمـا – ولكن بشكل محتشـم وبدون حِـدَّة– .. ثم نجده يرفع وتيرة النقاش أو المعالجة في بداية نهاية الفيلم وخاصة في مشهد السيارة الذي أستطيع أن أطلق عليه بكل طيبة خاطر أنه مشهد عبقري بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. حيث يتبادلون الاتهامات و الاعترافات الشخصية التي كان يستحيل أن تكون قبل ذلك المشهد .. فالتوقيت الذي اختاره ريتشارد لكل مرحلة من مراحل الحوار والتسلسل في التعمق في العلاقة كان في غاية الدقة .. فلو تقدم مشهد عن مكانه الصحيح أو العكس فسيكون هنالك خلط كبير جدا في هذه التسلسلية التي اعتمدها ريتشارد بكل مهارة ..
ربمـا يكون التمثيل أحد المقومـات التي ساعدت وبشكل كبير في واقعيـة الفيلم وجماليتـه .. فرغم أنه لا يـُوجد سوى شخصيتين اثنتين وهما جيس والتي قام بها الممثل Ethan Hawke وسيلين والتي قامت بأدائها الممثلة الفرنسية الرائعـة Julie Delpy إلا أن الروعة التمثيلية التي قدماها في الجزأين وخاصة الجزء الثاني كانت كفيلـة بأن تشبع الرغبة لدينا بمشاهدة شخصيـات أخرى .. فالواقعية والبساطة والانسيابية كلها مسميـات تصف الدقة التمثيلية التي استطاعوا أن يصلوا إليها إلا أنها لا تغني أبدا عن المشاهدة والاستمتاع بالإبداع التمثيلي الذي تضمنه أداؤهما ..
http://www.l22l.com/l22l-up-1/1d51a8a94a.jpg http://www.l22l.com/l22l-up-1/104418f294.jpg
التقييم العــام للجزء الأول : 10 / 8.2
التقييم العــام للجزء الثاني : 10 / 8.6
تحيــــــــــــــــــــــــــــــاتي